مقال: رمضان الذي كان هل يعود؟

أيمن دلول
أيمن دلول

بقلم/ أيمن تيسير دلول

في طفولتنا كان لقدوم الشهر الفضيل رمضان المبارك طقوسًا تختلف في حياتنا عما يعيشه المجتمع هذه الأيام، كنا في الماضي نعيشُ الأجواء على بساطتها وتسيطر السعادة على جوارحنا، أما اليوم فنتكلف رغم أوضاعنا الاقتصادية بالغة الصعوبة بمصروفاتٍ طائلة على أبواب وخلال الشهر الفضيل، ورغم ذلك فلا نجد السعادة على وجوه أطفالنا، وإن رسموها فشكلها مصطنع لا تُلامس شغاف القلوب كما كانت.

لقد تبدلت معالم الحياة، وحمّلناها أثقالًا ما أنزل الله بها من سلطان، حتى ذهبنا بطقوس الشهر الفضيل إلى مسافاتٍ بعيدة عما حدده لنا الشرعُ الحنيف وخطه لنا الحبيب محمد "صلى الله عليه وسلم"، الذي كان صحابته الكرام يدعون الله تعالى أن يبلغهم الشهر الفضيل قبل شهورٍ من قدومه، بينما والله أعلم في زماننا هذا باتَ الكثيرُ من الناس يتمنون أن لو لم يأتِ عليهم رمضان، ليس بُغضًا في عبادته وإنما خشية في انكشاف حالهم أمام أطفالهم وأسرهم بعدما بات الشهر الفضيل موسمًا للصرف والأكل والزينة والعزائم وما لذَّ وطاب، وذلك بحاجة إلى جيوب عامرة لا توجد لدى الكثيرين من أهالي فلسطين.

كنا في الماضي نبحثُ عن ( كوزٍ معدني) من مخلفات المشروبات الغازية فنفتحه ونربطه بحبل صغير ونضعُ داخله شمعةً ونحتفل بالعيد أو رمضان في أداة لا تكلف شيكل واحد، بل كنا كأطفال نصنع لبعضنا البعض هذه الألعاب فلا فرق في الحارة بين الغني والفقير.

أما اليوم، فكل طفل بحاجة إلى فانوس رمضان وأحبال الزينة للبيت والشارع ومكان العمل ومطلوب من رب الأسرة وضع ميزانية مستقلة للشهر الفضيل، والأهم أن الذي يستطيع الاحتفال بهذه الطقوس كان بها، ومن لم يستطع فعليه أن يعيش الحسرة والقهر، وهكذا ضاعت مقاصد الشهر الفضيل القاضية بشعور الغني بالفقير وبالرحمة والتكاتف والتعاضد بين الناس.

المقصد الحقيقي من الشهر الفضيل ليس فقط صيام المسلم عن الطعام والشراب وسائر المفطرات والسمو بالنفس بالعبادة، وجعل رمضان محطة تغيير للنفس من خلال الشعور بفقر الفقير وحرمان المسكين، فهذا لا يتحقق بالموائد الرمضانية الواسعة، ولا بالإسراف غير المضبوط الذي نشاهده بات يسيطر علينا ليس في رمضان وإنما في سائر المناسبات الاجتماعية الأخرى.

ينبغي أن يكون شعور المسلم بالجوع خلال الشهر الفضيل دافعًا له لتقاسم ما وهبه الله إياه مع الفقراء والمحتاجين وما أكثرهم في مجتمعاتنا، بل ويجب أن يكون دافعًا له -إن لم يفعل سابقًا- في تخصيص جزءًا من ماله صدقةً لأهلها، أو زكاة فرضها الله على ماله وما يملك، وبذلك نسمو بأنفسنا بالصيام ونحقق التقوى فيما نقول وما نفعل.

إن العبرة في الصيام ".. لعلكم تتقون"، هكذا كان أمر الله، لكن من وجد زيادة في وزنه بعد الانتهاء من الثلاثين يوم فليتحسس النفس، ومن دخل الشهر كما خرج منه وبقي تاركًا لكتاب الله فليقف قليلًا مع الذات، ومن واصل اكتناز الأموال والعقارات والذهب وغيرها دون إخراجٍ لحقها فذلك صيامه صيامُ العامة من الناس وليس صيامًا ينتهي بالنفس إلى تقوى. 

أخيرًا، فلا أقصد من حديثي السابق البخل والشح، فخيرُ صدقةٍ يُخرجها الإنسان تلك التي تكون على أهل بيته في المقام الأول، لكني وإن كنتُ أكره البخل وإمساك اليد فأنا لا أدعو للإسراف المنهي عنه في شرعنا الحنيف، وما بين الشح والإسراف وسطيةٌ تُسعدُ النفس وتشعرُ بالآخرين. بلغنا الله وإياكم رمضان الذي نعيش أجوائه ومقاصده الحقيقية وليست التي جملها التطور والتحضر الزائف.

البث المباشر