كيف يبدو مذاق الفاكهة لأطفال غزة بعد عام من الحرمان؟

خاص الرسالة نت

في بقعة صغيرة على خريطة العالم تُسمى غزة، تتحول أبسط تفاصيل الحياة إلى قصص عميقة تحمل في طياتها آلامًا وأحلامًا. خلال عام كامل من الحصار الإسرائيلي المحكم، عاشت العائلات في غزة معاناة حقيقية افتقدت فيها أبسط مقومات الحياة، كالطعام والدواء. كان الأطفال الأكثر تضررًا، حيث عاشوا طفولة مشوهة افتقدوا فيها طعم الفاكهة وأبسط مظاهر البهجة.

اليوم، مع وصول الفاكهة والبيض إلى القطاع بعد طول انتظار، تظهر ردود فعل الأطفال كلوحة مليئة بالمشاعر المتداخلة: من الدهشة إلى الفرح، ومن الحيرة إلى الألم.

جلست سمية مهنا، أم لثلاثة أطفال، في زاوية مطبخها الصغير وهي تراقب ردة فعل أطفالها عند فتح كيس الفاكهة الذي حصلت عليه بمساعدة إحدى المؤسسات.

لم يكن مشهد الفاكهة المعتاد الذي يفرح به الأطفال في كل مكان. تقول سمية بحزن عميق: "طفلي الذي كان يحفظ كل أنواع الفاكهة قبل الحرب، اليوم لا يعرف ولا واحدة منها".

كان طفلها الأكبر يقف مترددًا أمام حبة البرتقال، وكأنها شيء غريب لا ينتمي إلى عالمه. لم تكن دهشته دليل فرح بقدر ما كانت شهادة استغراب: كيف استطاعوا أن يدخلوا هذه الفاكهة، المعدودة أصنافها، إلينا؟

تتابع سمية: "طفلي الآخر يأكل الكوسا على أنها خيار". لقد فقد الأطفال القدرة على التمييز بين الأطعمة، بعد أن اختفى مفهوم التنوع الغذائي من حياتهم. تحول كل ما يُوضع على المائدة إلى مجرد طعام يملأ الجوع، بلا مذاق أو لون. وتضيف: "أشعر بالحزن وأنا أرى أطفالًا لا يعرفون طعم الفاكهة، ولا حتى شكلها. لقد سلب الحصار منهم حتى أبسط حقوقهم كأطفال".

لكن هذه المشاهد لم تتوقف عند سمية وأطفالها. أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي في غزة ساحة لتوثيق ردود فعل مماثلة.

شاركت إيمان موسى، وهي شابة من غزة، مقطع فيديو على صفحتها في "إنستغرام" يظهر أبناء شقيقها وهم يتفاعلون مع البيض لأول مرة بعد انقطاع دام ثلاثة أشهر.

في الفيديو، يظهر الأطفال يحدقون في البيض بدهشة، وكأنهم يكتشفون شيئًا جديدًا تمامًا. أحدهم أمسك البيضة بين يديه الصغيرة وبدأ يلعب بها كأنها لعبة، فيما تساءل الآخر عما إذا كان يمكن أكلها مباشرة.

نشرت إيمان صورًا تظهر الفرق الواضح في شكل أبناء شقيقها قبل الحصار وبعده. في الصور الأولى، كانت وجوههم ممتلئة بالفرح، وأجسادهم مليئة بالحيوية.

أما في الصور الحديثة، فقد بدا واضحًا أثر الجوع عليهم، بأجسام هزيلة وعيون غائرة تعكس المعاناة. كتبت إيمان تعليقًا قالت فيه: "كنت أتمنى أن تبقى وجوههم كما هي، مليئة بالحياة، لكن الحصار أخذ منهم كل شيء، حتى ضحكاتهم".

في مشهد آخر، تظهر عائلة محمد أبو الخير من شمال القطاع وهم يجربون الفواكه لأول مرة. يقول محمد: "اشتريت ثلاث حبات من التفاح بـ20 دولارًا ليتعرف أطفالي التوأم على طعمه لأول مرة.

فقد وُلِدوا قبل الحرب بشهرين وكبروا في المجاعة". ويكمل: "أمسك طفلي حبة التفاح وبدأ يلعب بها على أنها كرة صغيرة يدحرجها على إخوانه".

الأمر لا يقتصر فقط على الدهشة والفرح. الأطفال في غزة، بحسب شهادات الأمهات، يعانون من آثار نفسية وجسدية بسبب انعدام الأمن الغذائي.

تقول سمية: "طفلي الأكبر يعاني من ضعف في البنية الجسدية، وطفلي الأصغر بات يطرح أسئلة لا أملك إجابة لها. كيف أشرح لهم أن هذه الأطعمة التي يفرحون بها اليوم قد تختفي مرة أخرى؟".

هذا الواقع الذي يعيشه أطفال غزة تحت الحصار ليس مجرد صدمة وقتية، بل هو جزء من معاناة ممتدة تؤثر على حاضرهم ومستقبلهم. الحصار حرمهم من طفولة طبيعية، حيث الفاكهة جزء من حياتهم اليومية، وليس حلمًا بعيد المنال.

لم يكن الحرمان مقتصرًا على الفاكهة والبيض، فمنذ أشهر طويلة لم يعرف أطفال غزة طعم اللحوم بأنواعها، التي باتت غائبة عن موائدهم بسبب الحصار.

هذا النقص المستمر في الغذاء الأساسي يُعمّق معاناتهم يومًا بعد يوم، محرومين من النمو الصحي والحياة الطبيعية التي يستحقونها.

وفي ظل هذه الظروف القاسية، يبقى أملهم الوحيد هو أن يعودوا إلى حياة مليئة بالخيارات الطبيعية، حيث تكون اللحوم والفواكه مجرد جزء من طفولتهم، لا حلمًا ينتظرونه بفارغ الصبر.

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير