في خيمة بسيطة بمواصي خان يونس، حيث يختلط الألم بالمعاناة، رحلت قبل قليل السيدة عفاف الخطيب (55 عامًا) نتيجة البرد القارس الذي سيطر على غزة هذا الشتاء.
يقول ابن شقيقها مهند الخطيب: "عمتي كانت واحدة من أولئك الذين سقطوا ضحية الظروف القاسية في القطاع المحاصر، لتصبح الشهيدة التاسعة في خيام النازحين في غزة بسبب البرد الشديد."
عفاف كانت امرأة صبورة، نزحت مرات عديدة بسبب العدوانات المتواصلة على غزة، وآلامها لم تتوقف. في الشتاء الماضي، فقدت أحد أطرافها إثر إصابتها الشديدة نتيجة تعرضها لتهتك في ساقها بسبب الجروح التي أصابتها خلال التلوث الذي لحق بها إثر مياه الأمطار. ظلت تتنقل بين المستشفيات، متألمة بين الأدوية والعلاج، حتى تمكنت من تركيب طرف صناعي في مستشفى أردني قبل أسبوعين فقط. لكنها لم تكن تعلم أن المعاناة ستستمر بهذه الطريقة، وأن البرد سيكون قاسيًا لدرجة أنه سيخطف حياتها.
تروي عائلة عفاف أن البرد الشديد، الذي تسلل عبر جدران خيمتها، أرهق جسدها الضعيف. تعبت ساقها المبتورة من الألم بسبب انخفاض درجة حرارة جسمها بشكل خطير. في ليلة أمس، الساعة 1 صباحًا، نقلوها إلى المستشفى إثر تدهور حالتها بشكل مفاجئ. لكن قدرها كان أسرع من أن تترك لها الفرصة لتتلقى العلاج، وتوفيت في الساعة الرابعة فجرًا.
السيدة عفاف لم تكن فقط ضحية البرد، بل كانت تعاني أيضًا من مرض الكلى الذي جعلها تخضع لعملية غسيل كلى أربع مرات أسبوعيًا. لكن معاناتها لم تكن لتقتصر على جسدها المريض، بل كانت تحمل في قلبها أحلامًا وأمانيًا لم تتحقق، إذ كانت دون أبناء، وحيدة في مواجهة قسوة الحياة.
قصة عفاف ليست مجرد قصة فردية، بل هي قصة تتكرر يومًا بعد يوم في خيام النازحين في غزة، حيث يواجه الآلاف من السكان البرد القارس وسط ظروف غير إنسانية، يفتقرون لأبسط مقومات الحياة. وفاة عفاف تضاف إلى سلسلة طويلة من الأرواح التي فقدت حياتها بسبب البرد في ظل غياب الأمان الاجتماعي والمساعدات اللازمة، لتكون بذلك الشهيدة التاسعة في خيام النازحين.
رحلت عفاف، ولكن ذكراها ستظل تذكرنا بالألم الذي يعيشه النازحون في غزة، ولعل هذه القصة الإنسانية تكون نداءً للعالم بأن يتحرك لإنقاذ ما تبقى من أرواح بريئة، وأن يرفع الحصار عن هذا القطاع الذي يعيش تحت وطأة الألم.
وخلّفت الحرب حتى الآن أكثر من 151 ألف شهيد وجريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود وسط دمار هائل ومجاعة قتلت عشرات الأطفال والمسنين. فيما أشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى ارتفاع عدد الوفيات بسبب البرد القارس وموجات الصقيع بين النازحين الذين دمّر الاحتلال منازلهم إلى 9 وفيات، والعدد مُرشح للزيادة بسبب الظروف المأساوية.