ترجَّل محمد الضيف، قائد أركان كتائب عز الدين القسام، بعد مسيرة استثنائية دامت أكثر من ثلاثة عقود في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.
الرجل الذي أطلق عليه الاحتلال لقب "الشبح" و"ذو الأرواح التسعة"، ظلّ هدفًا دائمًا لأجهزة الأمن الإسرائيلية، حيث نجا من محاولات اغتيال متكررة قبل أن يكتب اسمه في سجلّ الشهداء. لكن إرثه لم يكن مجرد عمليات عسكرية وإنجازات ميدانية، بل كلمات خالدة ألهبت حماس المقاومين، وأصبحت نبراسًا لكل الساعين نحو التحرير.
من طفل لاجئ إلى قائد ملهم
وُلِد محمد الضيف، واسمه الحقيقي محمد دياب إبراهيم المصري، عام 1965 لعائلة فلسطينية مهجَّرة من بلدة القبيبة، قضاء القدس، والتي لجأت إلى قطاع غزة إثر نكبة 1948. نشأ في مخيم خان يونس حيث تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، ثم التحق بالجامعة الإسلامية في غزة لدراسة العلوم، وكان ناشطًا بارزًا في الكتلة الإسلامية، الذراع الطلابي لحركة حماس.
لم تكن حياة الضيف تقليدية، فمنذ شبابه انخرط في صفوف المقاومة، مشاركًا في الانتفاضة الأولى عام 1987، حيث اعتقل لأول مرة عام 1988 وقضى 16 شهرًا في سجون الاحتلال. وبعد الإفراج عنه، رفض الاستسلام أو التراجع، فانضم إلى الجهاز العسكري لحركة حماس، الذي كان في طور التشكُّل تحت اسم "كتائب الشهيد عز الدين القسام".
التحوّل نحو العمل العسكري والمطاردة
لم يطل الأمر حتى لمع اسم محمد الضيف كأحد أبرز القادة العسكريين في كتائب القسام. كان جزءًا من أوائل المجموعات القتالية، ونفّذ مع رفاقه عمليات استهدفت جنود الاحتلال ومستوطنيه، ما جعله في دائرة الاستهداف المباشر. ومع تصاعد نشاطه، أصبح "الضيف" مطاردًا بشكل رسمي من قبل الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يتوقف عن ملاحقته منذ بداية التسعينيات.
في عام 1994، أعطى الضيف الأوامر لخطف الجندي الإسرائيلي نخشون فاكسمان، في عملية أظهرت تطور أسلوب المقاومة، لكنها انتهت باغتيال منفذيها ورفض الاحتلال مبادلتهم بالأسرى. غير أن الحدث الأبرز الذي رسّخ مكانته كقائد ميداني كان دوره في قيادة عمليات الثأر لاستشهاد المهندس يحيى عياش عام 1996، عبر سلسلة تفجيرات هزّت العمق الإسرائيلي.
الضيف.. القائد الذي صنع معادلات جديدة
بعد مطاردته لسنوات، تصدَّر محمد الضيف قيادة كتائب القسام رسميًا، خلفًا للقائد صلاح شحادة، الذي اغتالته (إسرائيل) عام 2002 في قصف جوي أدى إلى استشهاد 15 فلسطينيًا، بينهم أطفال. ومنذ ذلك الحين، أصبح الضيف الرقم الأول في المقاومة، المهندس الأول لعمليات تصنيع وتطوير الصواريخ، وباني القوة القتالية للقسام التي تحوَّلت من مجموعات صغيرة إلى جيشٍ منظَّم.
رغم استهدافه المستمر، تمكن من إعادة هيكلة الكتائب وتطوير ترسانتها العسكرية، فكان له الدور الأبرز في إدخال الصواريخ بعيدة المدى إلى معادلة الصراع، والتي غيَّرت موازين القوى في الحروب اللاحقة.
"كما أنتِ هنا.. مزروع أنا".. كلمات ستبقى
لم يكن محمد الضيف قائدًا عسكريًا فقط، بل كان صاحب رؤية إستراتيجية، ومناضلًا يحمل إيمانًا راسخًا بتحرير فلسطين. من بين كلماته الأخيرة التي سمعها الملايين قبل استشهاده، قال وهو ينظر إلى صورة المسجد الأقصى:
"كما أنتِ هنا.. مزروع أنا".
كانت هذه العبارة رسالة تحدٍّ للاحتلال بأن المقاومة ليست فردًا، بل فكرة متجذرة لن تُقتلع، وأن الشهداء يرحلون لكن البذور التي زرعوها ستنمو لتكمل المسيرة.
وفي تسجيل آخر تم بثه في برنامج "ما خفي أعظم"، ظهر الضيف في غرفة العمليات قبيل هجوم طوفان الأقصى، مؤكدًا:
"نستطيع أن نغير مجرى التاريخ ويكون لنا السبق في هذه الفترة الزمنية ونحقق يومًا من أيام الله تُرفع فيه الرايات".
وكان ذلك بالفعل، فبعد سنوات من التحضير، نفذت المقاومة عمليتها الكبرى في 7 أكتوبر 2023، والتي هزّت المنظومة الأمنية الإسرائيلية، محققة اختراقًا غير مسبوق.
مقولات لا تُنسى.. إرث المقاومة
على مدار العقود التي قضاها في مقاومة الاحتلال، ترك محمد الضيف العديد من التصريحات التي تحوَّلت إلى شعارات في مسيرة المقاومة. ومن أبرزها:
"اليوم يتفجر غضب الأقصى.. غضب شعبنا.. غضب أمتنا.. غضب أحرار العالم" – في رسالة إلى الشعب الفلسطيني خلال معركة "طوفان الأقصى".
في إحدى كلماته خلال معركة "العصف المأكول" عام 2014، قال الضيف: "أولاً، إن موازين المعركة باتت مختلفة، فأنتم تقاتلون اليوم جنودًا ربانيين يعشقون الموت في سبيل الله كما تعشقون الحياة، ويتسابقون إلى الشهادة كما تفرون من الموت أو القتل".
وفي رسالة صوتية له، دعا الضيف الشعوب العربية والإسلامية إلى التحرك نحو فلسطين، قائلاً: "ابدأوا بالزحف اليوم، الآن وليس غدًا، نحو فلسطين ولا تجعلوا حدودًا ولا أنظمة ولا قيودًا تحرمكم شرف المشاركة في تحرير الأقصى".
كما وجه رسالة إلى الشباب العربي، قائلاً: "يا شباب الأمة، أنتم درعنا وسندنا وجيشنا الذي نقاتل به. أنتم من يحافظ على القيم والثوابت".
وفي ظهوره الأخير قبل استشهاده، قال الضيف: "كما أنتِ هنا.. مزروع أنا". وأضاف: "نستطيع أن نغير مجرى التاريخ ويكون لنا السبق في الوقت الحالي".
"لن نلقي السلاح حتى تحرير آخر شبر من فلسطين" – في خطاب له خلال معركة العصف المأكول 2014.
"نحن لا نقاتل لأجل المفاوضات.. نقاتل لتحرير الأرض"- "العدو لا يفهم إلا لغة القوة، والمقاومة هي الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق".
نهاية المطاردة وبداية الأسطورة
بعد أكثر من ثلاثة عقود من المطاردة، أعلنت كتائب القسام في 30 يناير 2025 استشهاد قائد أركانها محمد الضيف، إلى جانب عدد من قادة المقاومة. لم يكن استشهاده مجرد خسارة عسكرية، بل فقدانًا لرمز شكّل علامة فارقة في تاريخ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
ورغم ذلك، فإن مقولات الضيف ونهجه في المقاومة ستبقى حيّة، تمامًا كما بقي إرث يحيى عياش، وأحمد ياسين، وصلاح شحادة، وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهم. فقد كان الضيف يُدرك دائمًا أن الاحتلال قد يتمكن يومًا من قتله، لكنه لن يستطيع قتل الفكرة التي زرعها في عقول وقلوب الأجيال القادمة.
لم يكن محمد الضيف مجرد قائد عسكري، بل كان رمزًا للصبر، والتخطيط، والإيمان المطلق بعدالة القضية. كلماتُه ستظلّ خالدةً في وجدان كل فلسطيني حر، وصورته التي نُشرت لأول مرة بعد استشهاده ستبقى شاهدة على مسيرة رجلٍ لم يكن يخشى الموت، بل عاش لهدفٍ واحد: تحرير فلسطين.
وكما قال في رسالته الأخيرة:
"كما أنتِ هنا.. مزروع أنا.. ولي في هذه الأرض آلاف البذور".
تلك البذور التي زرعها محمد الضيف ستنمو، وستحمل راية المقاومة من بعده، حتى يتحقق الحلم الذي أفنى عمره من أجله.