كانت الحافلة التي تقل الأسرى المفرج عنهم، تنزلق ببطء عبر معبر كرم أبو سالم، وفي داخلها كانت الأرواح مليئة بالتناقضات. في اللحظات التي كانت عيونهم تلمع فيها من شدة الفرح بالعودة إلى غزة الحزينة المليئة بالجراح، كانت القلوب غارقة في بحور من الألم والذكريات الثقيلة.
كل أسير منهم كان يحمل في قلبه جرحًا عميقًا، جرحًا لا يمكن لزمن أو مسافة أن يخفف من وطأته. بعد أشهر من العذاب والتعذيب في سجون الاحتلال الإسرائيلي، عادوا إلى غزة، ومنهم من لا يعرف ما الذي صنعته الإبادة بعائلاتهم، بيوتهم، حياتهم التي تركوها خلفهم. لكنهم عادوا في وقتٍ لا يمكن للفرحة فيه أن تكتمل. كانوا يرون غزة بعينٍ مثقلة بالحزن، يرونها كما هي الآن، مدمرة تحت وطأة العدوان، ولن يمر يوم دون أن تُذرف دموع فقدٍ جديدة.
ورغم أن حشود المواطنين كانت في انتظارهم عند المعبر، لتستقبلهم بالأحضان والهتافات، كان بعضهم يلبس القفازات السوداء. كان هذا ليس مجرد حفاظٍ على أنفسهم، بل خوفًا كبيرًا مما يمكن أن يحدث إن لامسوا أحبتهم. "هل سأجرحهم؟ هل سأعديهم؟"، كانت هذه الأسئلة تتردد في عقولهم بلا توقف.
بعضهم حملوا جراحًا في أجسادهم، جراحًا لم تلتئم بعد، فتعرضوا لأمراض جلدية غريبة خلال فترة اعتقالهم، دون أن يجدوا علاجًا يخفف من آلامهم. كان الألم لا يزال يزحف على أجسادهم المنهكة، وكان خوفهم الأكبر هو أن ينقلوا هذه الأمراض إلى من يحبونهم.
محمد نبيل البس، أحد هؤلاء الأسرى، كان يحمل حزنه بين ضلوعه، وكان الوجع يتفجر من قلبه كلما تذكر ما حل بعائلته. في الحرب الأخيرة على غزة، استشهد أطفاله، ولا زالوا تحت الأنقاض حين خرج هو من الزنزانة إلى الحياة. "لقد فقدت أولادي في الحرب، ولكنني راضٍ، هذا فداء للوطن"، قالها بصوتٍ متحشرج، وكأن الكلمات عجزت عن التعبير عن فداحة الخسارة. كانت دموعه تنهمر، لا لأن الألم يهدده، بل لأن كل ذكرى من تلك الأيام القاسية كانت تأخذ منه قطعةً من نفسه، لكن مع ذلك، كان يبتسم ابتسامة مريرة، وهو يطوي قلبه الممزق على أمل العودة، على رغبة أن تكون غزة على الأقل حرة من أيدي الاحتلال.
وما بين كل أسير وآخر، كانت هناك قصص مماثلة. أسرى آخرون فقدوا أمهاتهم وآباءهم، وآخرون كانوا يتساءلون عن مصير أطفالهم الذين عاشوا تحت القصف، دون أن يعرفوا هل سيلقونهم أم سيغادرونهم إلى عالم آخر. كل واحد منهم كان يحمل في قلبه ذكرى تدمير بيته، وفي ذهنه صورة أحبائه الذين ربما يلتقيهم، أو ربما لا يلتقيهم أبدًا.
كانت الحافلة تسير في طريقها، وكلما اقتربت أكثر من غزة، ازداد شعورهم بالوحشة. هناك، حيث لا بيوت لهم ليلجأوا إليها، ولا أحضان دافئة لاستقبالهم. وفي المستشفى الأوروبي، حيث نقلهم فورًا لفحوصاتهم، لم يكن لديهم أي من وسائل الراحة. كانوا يحتاجون إلى العلاج البدني والنفسي، لكن الأسوأ كان المرض الذي يعانونه في داخلهم، مرض الفقد، مرض القهر، والمرض الذي يسببه الاحتلال نفسه، في ظل نقص المستلزمات الطبية في المستشفى وقلة الأدوات التي يمكن أن تساهم في علاجهم.
غزة، التي خرجوا منها مذعورين في بداية الحرب، عادوا إليها اليوم، ولكن عيونهم التي حملت الوجع في سجون الاحتلال، كانت مليئة بالإصرار على ألا تستسلم. على أن الكرامة ستظل حية، رغم كل هذا الفقد.
العدد الذي عاد ليس مجرد أرقام في السجلات، بل قصصًا من معاناة وحلم وطموح. 183 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم 18 من ذوي المؤبدات و54 من أصحاب المحكوميات العالية، عادوا إلى أرضهم التي تئن تحت وطأة الاحتلال، منهم 111 أسيرًا من قطاع غزة الذين تم اعتقالهم بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
هذا الإفراج لم يكن ليحدث لولا صفقة قاسية وطويلة، تخللتها آلامٌ وعذابات، فقد جاء عقب إطلاق كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، سراح ثلاثة أسرى إسرائيليين، ليتم مقابلهم الإفراج عن هؤلاء الأسرى الفلسطينيين، وهم الذين حملوا على عاتقهم آلام الحرمان في السجون الإسرائيلية، عائدين إلى وطنٍ تغرقه الآلام ولكن يرفض أن ينسى كرامته.
وفي النهاية، كانت الحافلة التي كانت تحملهم هي نفسها، التي حملت معهم قلوبًا مكسورة وأرواحًا مثقلة بالذكريات، ولكنها عادت لتحكي أن العودة نفسها هي انتصار رغم كل التضحيات