رغم مرور أكثر من 20 يومًا على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لا تزال الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة تتدهور بشكل خطير، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي في المماطلة بتنفيذ الشق الإنساني من الاتفاق. وأكدت تقارير حقوقية وإنسانية أن التعهدات التي نص عليها الاتفاق لم تُنفذ بالشكل المطلوب، مما يفاقم معاناة أكثر من 2.3 مليون فلسطيني.
الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين المقاومة الفلسطينية و(إسرائيل) برعاية دولية، كان من المفترض أن يؤدي إلى تخفيف معاناة المدنيين عبر إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا، بينها 50 شاحنة وقود، إلى جانب البدء في إعادة إعمار القطاع من خلال بناء 60 ألف وحدة سكنية مؤقتة ونصب 200 ألف خيمة لإيواء النازحين. كما نص الاتفاق على إدخال معدات إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المرافق الصحية والمخابز والبنية التحتية، بالإضافة إلى تسهيل حركة المرضى والجرحى عبر معبر رفح الحدودي مع مصر.
لكن وفقًا للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن حجم المساعدات التي دخلت إلى غزة لا يزال بعيدًا عن الحد الأدنى المطلوب. وأوضح التقرير أن نحو 8,500 شاحنة دخلت القطاع منذ بدء تنفيذ الاتفاق، لكن 35% فقط منها وصلت إلى شمال القطاع، حيث عاد عشرات الآلاف من النازحين إلى مناطق مدمرة بالكامل.
أما على صعيد المأوى، فقد أكد المرصد أن الحاجة الفعلية تصل إلى 120 ألف خيمة، إلا أن ما تم إدخاله لم يتجاوز 10,000 خيمة، مما يعني أن مئات الآلاف من الفلسطينيين يواجهون فصل الشتاء القاسي دون مأوى مناسب.
وفيما يتعلق بالوقود، كشف التقرير أن القطاع بحاجة إلى 30 شاحنة وقود يوميًا لتشغيل المستشفيات والمرافق الأساسية، لكن ما وصل فعليًا لم يتجاوز 14 شاحنة يوميًا، مما تسبب في تفاقم أزمة الكهرباء وشلّ عمل المستشفيات التي تعاني أصلًا من نقص حاد في الأجهزة الطبية والمستلزمات الأساسية.
وقال مدير وزارة الصحة الفلسطينية في غزة إن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال يماطل في إدخال المعدات الطبية والمولدات الكهربائية، رغم أن ذلك جزء من الالتزامات الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار.
من جهتها، أبدت حركة حماس استياءها من البطء في تنفيذ البنود الإنسانية، ونقلت وسائل إعلام عربية عن مصادر مقربة من الحركة أن قيادتها تدرس اتخاذ إجراءات احتجاجية، من بينها تأخير تسليم دفعات جديدة من الأسرى، في محاولة للضغط على (إسرائيل) للالتزام ببنود الاتفاق. وأكدت الحركة في بيان رسمي أن الجهود المبذولة لإيواء السكان وإدخال المساعدات ما زالت أقل بكثير من المطلوب، مشيرة إلى أنها تواصل اتصالاتها مع الوسطاء الدوليين لضمان تنفيذ الاتفاق بشكل كامل.
على الصعيد الدولي، حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من أن الوضع الإنساني في غزة لا يزال "خطيرًا للغاية"، خاصة بالنسبة للأطفال، مشددة على ضرورة تسريع إدخال الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية.
كما دعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغط حقيقي على (إسرائيل) لإلزامها بتنفيذ الاتفاق، مؤكدًا أن استمرار المراوغة الإسرائيلية قد يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار وعودة التصعيد العسكري.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد المخاوف من أن يصبح اتفاق وقف إطلاق النار مجرد هدنة هشة، في وقت يواصل فيه الاحتلال فرض قيود على دخول المساعدات، متجاهلًا معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون ظروفًا إنسانية قاسية.