ما إن هدأت أجواء الحرب في غزة، بعد توصل المقاومة إلى صفقة مع الاحتلال تتكون من ثلاث مراحل، تُفرج (إسرائيل) خلالها عن الأسرى الفلسطينيين، وتسمح بدخول المساعدات، وعودة النازحين من جنوب غزة، وإعادة إعمار القطاع، حتى تصاعدت في الآونة الأخيرة تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حول مخطط لتهجير الفلسطينيين من غزة.
تحدث ترامب في أكثر من مناسبة لوسائل الإعلام عن مخططات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ضمن رؤية الاحتلال التي تتبناها الإدارة الأمريكية، تحت مزاعم إعادة "إعمار غزة".
ووفقًا للمخطط المطروح، تسعى الإدارة الأمريكية، بالتنسيق مع الاحتلال، إلى تهجير الفلسطينيين من غزة عبر فتح ممرات آمنة إلى دول مجاورة مثل مصر والأردن، مع تقديم حوافز مالية ودعم اقتصادي لتشجيع الهجرة.
وجدد ترامب، الثلاثاء الماضي، رغبته في أن تستقبل كل من مصر والأردن فلسطينيين مهجّرين من قطاع غزة، بعد 15 شهرًا من حرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال على القطاع.
وأكدت منظمة "العفو الدولية" أن اقتراح ترامب بنقل الفلسطينيين من غزة "مثير للغضب ويشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي".
المخطط سيفشل!
واجه هذا المخطط رفضًا شعبيًا وفصائليًا فلسطينيًا واسعًا، حيث شدد الفلسطينيون على تمسكهم بغزة، ورفضهم القاطع لتصريحات ترامب الداعية إلى مغادرة بيوتهم وأراضيهم ووطنهم.
يقول الحاج أبو فوزي أبو علبة، أحد سكان حي الشيخ رضوان: "مخطط ترامب لتهجير سكان غزة مقترح خطير وخبيث، يهدف إلى إفراغ المدينة من الفلسطينيين تحت مزاعم واهية لن تقدم لنا شيئًا".
ويضيف الحاج أبو علبة، الذي قصف الاحتلال منزله واستهدف ابنه، في حديثه لـ"الرسالة": "لم نترك منازلنا وأحياءنا حتى في أصعب الأوقات التي شهدها شمال غزة من قصف ودمار وتجويع، فكيف سنتركها الآن؟".
يشير أبو علبة إلى أنه، شأنه شأن بقية أبناء شعبه، سيعمل على إزالة ركام منزله المدمر، وسيقيم خيمة صغيرة تؤويه مع أفراد عائلته الذين أصبحوا مشرّدين نتيجة منع الاحتلال دخول الخيام والمساعدات إلى القطاع.
شهد قطاع غزة خلال الشهر الماضي عودة النازحين إلى معظم مناطقهم بعد انسحاب الاحتلال من المناطق التي توغل فيها، إثر اتفاق وقف إطلاق النار مع المقاومة الفلسطينية. وعملت العائلات العائدة من الجنوب إلى الشمال على ترميم أجزاء من منازلها، بينما قامت المؤسسات، تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية، بإنشاء مخيمات لإيواء الفلسطينيين.
سيسقط مخطط التهجير!
تجلس الحاجة أم أحمد الخالدي مع عائلتها في الجزء المتبقي من منزلها المدمر، وتقول: "يريدون تهجيرنا إلى دول أخرى من أجل احتلال غزة، لكن هذا المخطط لن يرى النور وسيفشل بعزيمة وصمود الفلسطينيين".
وتوضح الحاجة، التي عادت إلى منزلها بعد أكثر من 12 شهرًا من النزوح في جنوب القطاع، أنها لن تترك بيتها وحيّها مجددًا، حتى لو تعرضت للقصف والجوع. وتضيف: "لم نستطع نسيان منازلنا ونحن فقط نزحنا داخل غزة، فكيف سنتركها ونخرج إلى الخارج؟".
وتتابع الحاجة، التي أقامت فرنًا بلديًا للخبز: "أنا هنا أعدّ الطعام لأولادي، وسنعمل قريبًا على ترميم ما تبقى من منزلنا وسنسكن فيه، لن نترك بيوتنا مهما حصل".
وكما الحاجة أم أحمد، عادت مئات العائلات الفلسطينية إلى ديارها خلال الأيام الماضية، وبدأت بالتأقلم مع الوضع الجديد في شمال غزة، عبر حفر آبار مياه، وإنشاء أفران طينية للخبز، وترميم ما تبقى من منازلها.
سيندحر كما فشلت خطة "الجنرالات"!
أما الحاج أبو خميس جابر، الذي رفض الخروج من شمال غزة رغم القصف والدمار، فيقول: "الاحتلال مارس أبشع الجرائم ضد الفلسطينيين، قصفنا، جوعنا، لكنه لم يجبرنا على مغادرة شمال القطاع".
ويضيف الحاج جابر، البالغ من العمر 65 عامًا، وهو مقعد، في حديثه لـ"الرسالة": "صمود المواطنين في شمال القطاع أفشل مخطط الاحتلال المعروف باسم (خطة الجنرالات)، الذي كان يهدف إلى إفراغ شمال غزة من السكان والسيطرة عليه".
ويؤكد أن الفلسطينيين، كما أفشلوا مخططات الاحتلال السابقة، سيفشلون أيضًا مخطط ترامب الخبيث، الذي يسير في خط واحد مع أهداف الاحتلال بإفراغ قطاع غزة من الفلسطينيين تحت حجج واهية.
وتعرض شمال قطاع غزة لعدوان شرس استمر لأكثر من ثلاثة أشهر متواصلة، مارس خلاله الاحتلال أبشع الجرائم، في محاولة لتنفيذ "خطة الجنرالات"، التي هدفت إلى السيطرة على شمال غزة عبر تهجير سكانه إلى الجنوب، ثم فرض حصار خانق عليه، بما في ذلك منع دخول الإمدادات والمساعدات الغذائية والمياه والوقود، واستخدام التجويع كوسيلة ضغط للتهجير.
شعبنا لن يستسلم لأوهام ترامب!
بدوره، أعرب القيادي في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) محمود مرداوي، عن الرفض القاطع لطروحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي تمثل استمرارًا للمخططات الاستيطانية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، وإلغاء حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه.
وقال مرداوي، في تصريح صحفي: "إنّ هذه التصريحات تعكس رؤية عنصرية تهدف إلى اقتلاع شعبنا من جذوره، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية والجغرافية للمنطقة، بما يخدم المصالح الصهيونية والاستعمارية".
وأضاف: "الرد على هذه التصريحات يجب أن يكون بحزمة من الإجراءات السياسية والدبلوماسية والميدانية، منها تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتشكيل جبهة وطنية موحدة تضع استراتيجية شاملة لمواجهة التهديدات المحدقة بغزة وفلسطين بشكل عام".
وشدد على "ضرورة توحيد الموقف السياسي الفلسطيني تجاه رفض أي حلول تمس حقوق شعبنا، أو تحاول إقصاءه من أرضه"، داعيًا إلى التحرك الدبلوماسي على المستويين العربي والدولي.