كيف خدعت المقاومة المؤسسة الأمنية (الإسرائيلية) وصولا للسابع من أكتوبر؟

غزة _ خاص الرسالة نت 

كشف تحقيق جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) عن سلسلة من الإخفاقات الاستخبارية والعملياتية التي أدت إلى فشل (إسرائيل) في التصدي لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن جوهر هذا الفشل لا يكمن فقط في سوء التقدير أو ضعف الجاهزية، بل في نجاح المقاومة الفلسطينية، بقيادة حماس، في تنفيذ عملية خداع استراتيجي معقدة أربكت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وأدت إلى تعطيل قدرتها على الاستجابة في الوقت الحاسم.

كيف تلاعبت المقاومة بالشاباك وأمان؟

وفقًا لما كشفه التحقيق، فإن المقاومة الفلسطينية عملت على مدار سنوات على بناء صورة استخباراتية مضللة للجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، ما أدى إلى سوء تقدير استراتيجي كبير. وتشير التقارير إلى أن (إسرائيل) كانت تملك معلومات أولية عن خطة "جدار أريحا"، التي وضعتها حماس منذ عام 2018 وأعادت تقييمها في 2022، لكنها لم تكن قادرة على تفسيرها بالشكل الصحيح، حيث كانت المقاومة تدير حملة تضليل منظمة جعلت (إسرائيل) تعتقد أن غزة "ساحة هادئة" بينما تركز الحركة على الضفة الغربية.

أحد أبرز الأدلة على هذا الخداع كان توقيت وطريقة تفعيل شبكة الاتصالات الخاصة بالمقاومة. فبحسب تقرير الشاباك، تم رصد تشغيل غير عادي لبطاقات SIM خاصة بمقاتلي حماس عشية الهجوم، لكن الجهاز لم يفسر ذلك على أنه مؤشر على عملية عسكرية واسعة. 
نجحت المقاومة في التلاعب بهذه المؤشرات بحيث بدت وكأنها إجراءات روتينية، مما أدى إلى تأخير استجابة الجيش الإسرائيلي والسماح بانطلاق الهجوم المفاجئ.

إضعاف الشبكة الاستخباراتية الإسرائيلية داخل غزة

كان أحد أعمدة نجاح المقاومة هو تقويض قدرة (إسرائيل) على اختراق قطاع غزة استخباراتيًا. يشير تقرير الشاباك إلى أن عملية خان يونس الفاشلة عام 2018 كشفت شبكة العملاء الإسرائيليين داخل القطاع، مما أدى إلى تصفيتهم أو تضليلهم. منذ ذلك الحين، فشلت (إسرائيل) في بناء شبكة جديدة من المخبرين، مما جعلها تفقد "أذنها وعينها" داخل غزة، وهو ما جعل المعلومات التي تحصل عليها غير دقيقة أو حتى مضللة.

تدجين (إسرائيل) بسنوات من الهدوء المصطنع

على مدار السنوات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، سمحت (إسرائيل) بتدفق الأموال القطرية إلى غزة، وأدخلت تسهيلات اقتصادية، مما عزز الاعتقاد الإسرائيلي بأن حماس ليست معنية بمواجهة واسعة. لكن المقاومة استغلت هذه الفترة لتعزيز قدراتها العسكرية، وبناء شبكة أنفاق، وتطوير ترسانة الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما كانت (إسرائيل) تعتقد أنها تمكنت من فرض سياسة "احتواء" ناجحة.

هذا الهدوء المصطنع جعل (إسرائيل) تركن إلى تصور خاطئ بأن الردع الإسرائيلي لا يزال ساريًا، حتى في الوقت الذي كانت فيه حماس تستعد للهجوم. بل إن الاستخبارات الإسرائيلية صنفت تدريبات المقاومة المتكررة على أنها مجرد "استعراضات" وليس استعدادًا حقيقيًا لحرب، وهو ما عزز الشعور بالأمان الزائف داخل الأجهزة الأمنية.

كيف ضللت المقاومة الجيش الإسرائيلي ليلة الهجوم؟

بحسب التحقيق، فإن ليلة 6 أكتوبر/تشرين الأول شهدت نشاطًا غير عادي شمال غزة، لكن الجيش الإسرائيلي اعتبره إجراءً دفاعيًا لحماس تحسبًا لضربة إسرائيلية وليس استعدادًا لهجوم. هذا التحليل الخاطئ يعكس مدى نجاح المقاومة في زرع قناعة لدى (إسرائيل) بأن أي تصعيد سيكون من الطرف الإسرائيلي وليس العكس.

وبينما كان الجنود الإسرائيليون في مواقعهم غير مستعدين لهجوم واسع، كانت المقاومة تحشد مقاتليها في الأنفاق والمناطق الحدودية دون إثارة الشكوك. 
وعند وقوع الهجوم في ساعات الفجر الأولى، كان الجيش الإسرائيلي في أدنى مستويات التأهب، ما سمح لمقاتلي المقاومة بالاختراق السريع للحدود وتنفيذ عمليات السيطرة على المواقع العسكرية والمستوطنات القريبة.

فشل القيادة الإسرائيلية في قراءة المشهد

إلى جانب فشل الشاباك، فإن القيادة السياسية الإسرائيلية، بقيادة نتنياهو، ساهمت بشكل مباشر في هذا الإخفاق. إذ أن الحكومة كانت منشغلة بملفات داخلية، مثل الأزمة القضائية والاحتجاجات ضد سياسات نتنياهو، مما أدى إلى تراجع التركيز على التهديدات الأمنية الحقيقية.

علاوة على ذلك، فإن الانقسام داخل الأجهزة الأمنية، وعدم وضوح توزيع المسؤوليات بين الشاباك والجيش، جعل اتخاذ القرارات الفورية أمرًا صعبًا. 
فحتى بعد أن رُصد النشاط غير العادي ليلة الهجوم، لم يكن هناك تنسيق بين الأجهزة الأمنية حول كيفية التعامل معه، مما أدى إلى تأخير الرد الميداني.

فقدان الثقة بالقدرات الاستخبارية

يطرح هذا الفشل أسئلة جوهرية حول قدرة (إسرائيل) على استعادة تفوقها الاستخباراتي والعسكري. إذ أن نجاح المقاومة في خداع (إسرائيل) بالكامل يفرض تحديات جديدة على المنظومة الأمنية الإسرائيلية، التي لم تعد قادرة على الوثوق في تقديراتها السابقة حول نوايا المقاومة الفلسطينية.

كما أن هذا الفشل أدى إلى تزايد الضغوط السياسية على نتنياهو، الذي قد يواجه تحقيقات رسمية مشابهة للتحقيقات التي أعقبت حرب أكتوبر 1973، والتي انتهت بإجبار القيادة السياسية والعسكرية على تحمل المسؤولية والاستقالة.

دروس المقاومة وأخطاء (إسرائيل)

نجحت المقاومة الفلسطينية ليس فقط في تنفيذ هجوم نوعي، بل في خداع (إسرائيل) بالكامل، مما أدى إلى تعطيل منظومتها الدفاعية والاستخباراتية. 
هذا النجاح يكشف عن تطور استراتيجي في تكتيكات المقاومة، التي انتقلت من المواجهة المباشرة إلى استخدام الخداع والتمويه كأدوات رئيسية لتحقيق الأهداف العسكرية.

وفي المقابل، أثبت هذا الحدث أن (إسرائيل)، رغم قوتها العسكرية والتكنولوجية، ليست محصنة ضد الأخطاء الاستخباراتية والعملياتية. 
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن (إسرائيل) من التعافي من هذا الفشل، أم أن المقاومة الفلسطينية قد وضعت الأسس لمرحلة جديدة من المواجهة غير المتكافئة، حيث لا تعتمد القوة العسكرية وحدها، بل الذكاء الاستراتيجي والخداع العملياتي؟

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير