جريمة مزدوجة في مستشفى ناصر: حين يتحوّل العلاج إلى ساحة اغتيال

خاص الرسالة نت

في مشهد يُجسّد الانتهاك الصارخ لكل ما تبقى من إنسانية، قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي قسم الجراحة في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، مساء اليوم الأحد، حيث يتلقى الجرحى العلاج، ليرتقي القائد في حركة حماس إسماعيل برهوم، الذي كان يتلقى العلاج بعد إصابة سابقة.

الشهيد القائد إسماعيل برهوم، كان يتلقى العلاج في قسم الجراحة بالمستشفى، وهو مكان يُفترض أن يكون محمياً من أي استهداف، وفق القانون الدولي الإنساني. لكن ما حدث لا يترك مجالاً للشك: الاحتلال الإسرائيلي لم يأتِ ليقصف هدفاً عسكرياً، بل جاء ليُصفّي جريحاً أعزل في سريره، وليُرسِل رسالة مفادها أن لا أحد بمنأى عن الاستهداف، حتى داخل أسوار المستشفيات.

الضربة الجوية جزء من سياق ممتد في السياسة الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، عنوانه العريض "لا خطوط حمراء". فبعد استهداف مستشفى الشفاء والقدس والأهلي، جاء الدور على ناصر، ليكتمل المشهد الذي يُظهر أن المنظومة الصحية برمّتها أصبحت هدفاً مشروعاً في نظر الاحتلال.

والأخطر أن جريمة اليوم كانت مزدوجة: قصف منشأة طبية، واغتيال شخصية سياسية داخلها. وهذا التوصيف لا يتطلب اجتهاداً قانونياً، بل يُصنّف فوراً كجريمة حرب مكتملة الأركان بموجب اتفاقيات جنيف.

الصمت الدولي... مشاركة غير مباشرة

اللافت أن هذه الجريمة تأتي وسط صمت دولي مريب، بل وتواطؤ في بعض الأحيان، إذ لم تُفعّل أي آلية حقيقية لمحاسبة الاحتلال، رغم التكرار الممنهج لاستهداف المنشآت الصحية، واستخدام سلاح الجو لتصفية قيادات فلسطينية داخل أماكن يُفترض أن تكون محمية.

تكرار هذه الجرائم دون ردع، لا يُفسّر إلا على أنه ضوء أخضر للاستمرار في القتل، ما يُحوّل المجتمع الدولي من شاهد صامت إلى شريك في الجريمة.

إسماعيل برهوم: الشهيد الذي فضح العجز الدولي

الشهيد إسماعيل برهوم لم يكن مجرد اسم آخر يُضاف إلى قائمة الشهداء. بل كان قائداً سياسيا شكّل جزءاً من بنية المقاومة التي واجهت الاحتلال في كل جولات التصعيد. وبرحيله، داخل غرفة العلاج، يكون قد فضح بدمه ازدواجية المعايير، حيث يُستهدف القادة الفلسطينيون داخل مستشفياتهم، فيما تُحمى قيادات الاحتلال المجرمة تحت غطاء القانون الدولي الذي يُستخدم بشكل انتقائي.

الجريمة التي وقعت في مستشفى ناصر لا يجب أن تمرّ كخبر عابر. إنها نداء إلى كل مؤسسات حقوق الإنسان، وكل صوت حر في هذا العالم، للتحرّك فوراً وتوثيق ما جرى، وملاحقة الاحتلال في المحاكم الدولية. كما هي دعوة لوسائل الإعلام الحرة، لتسليط الضوء على هذه الجرائم، وعدم السماح بخنق صوت الضحايا تحت ركام المستشفيات.

القصف الذي استهدف إسماعيل برهوم وهو جريح، لن يوقف مسيرة مقاومة ترسّخت في وعي شعب بأكمله. وإن كان الاحتلال يعتقد أن اغتيال القادة يُضعف الجبهة، فهو لم يقرأ جيداً التاريخ الفلسطيني. فكل شهيد يُخلّف ألف مقاوم، وكل جريمة تُؤجّج جذوة الصمود من جديد.