تتوالى أشكال المعاناة على سكان قطاع غزة، ويُعَدُّ فقدان السيولة النقدية أحد أبرزها وأكثرها صعوبة. فعلاوةً على الفقر والغلاء وصعوبة الأوضاع المعيشية، يواجه السكان تحديات في شراء احتياجاتهم الأساسية وسحب أموالهم من البنوك، وقد زادت حدة الأزمة مع إغلاق المعابر وعودة التصعيد.
ويعاني القطاع، منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023، من قيود مشددة على المعاملات المالية، إلى جانب منع الاحتلال إدخال الأوراق النقدية إلى القطاع، ومنع استبدال العملة التالفة، ما أدى إلى شُحّ السيولة في الأسواق وأثّر بشكل مباشر على الحركة التجارية.
أرصدة بلا قيمة
ويشتكي المواطن رفعت أحمد، كما الآلاف من المواطنين، من عدم القدرة على شراء احتياجاته المنزلية بسبب فقدان السيولة. ويقول لـ"الرسالة": "بسبب قلة الأموال النقدية المتوفرة لدينا، أصبحنا نُقنِّن في المشتريات ونشتري الأكثر أهمية، لأن المال المفقود من الصعب تعويضه في الفترة الحالية".
ويشير إلى أن القليل من المحال التجارية يعمل بنظام الدفع الإلكتروني، كما أن غالبيتها تلجأ إلى رفع الأسعار مقابل تلك الخدمة، ما يجعل المواطن ضحية في كل الحالات.
ووفقًا لأحمد، الموظف في القطاع الخاص، فإنه كان يلجأ إلى "تكييش" نصف راتبه بنسبة تتجاوز 15%، لكن ومنذ عودة العدوان، وصلت تلك النسبة إلى قرابة 30%، وهي غير متوفرة، موضحًا أن الأرصدة البنكية أصبحت بلا قيمة.
أما مهند عبد اللطيف، فيقول لـ"الرسالة": "مع حلول العيد تزداد احتياجاتنا من السلع، لكننا أصبحنا لا نجد ثمن ربطة الخبز، ووقعنا ضحية للمكيّشين الذين يقتسمون أموالنا ولا يكفّون عن رفع النسبة التي وصلت إلى 30%. هل تعي الجهات المسؤولة ماذا يعني فقدان ثلث مالك لتتمكن من تلبية احتياجاتك؟"
ويضيف: "أصبحنا عاجزين عن تلبية احتياجات أبنائنا، وتراكمت فوقنا الهموم. يجب الضغط من الجميع لإدخال الأموال إلى القطاع. هذه خطط ممنهجة ضمن سياسة التجويع. فبعد أن توقفت المساعدات، ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وفُقدت الأموال، وأصبحت الرواتب بلا قيمة".
وفي السياق ذاته، أكد أحد التجار، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن الأسواق تعاني من ركود بسبب غياب السيولة، كما أن الأوضاع الاقتصادية باتت معقدة بعد إغلاق المعابر، فأصبح المواطنون يجدون صعوبة في دفع ثمن البضائع القليلة ومرتفعة الثمن.
وأوضح أن كبار التجار احتكروا، منذ بداية الحرب على غزة، نسبة كبيرة من السيولة النقدية خارج البنوك، ووظّفوها في تجارة العملة بطريقة غير قانونية.
ويؤكد التاجر أن الاحتلال عرقل تعافي النظام المصرفي في غزة بإصراره على منع إدخال السيولة، ما يفاقم معاناة المواطنين.
وبيّن أن آلية التكييش أرهقت سكان القطاع، وتسببت في ضعف قدرتهم الشرائية، وعزوفهم عن شراء حتى الاحتياجات الضرورية، مشددًا على أنها كانت سببًا في انهيار النظام الاقتصادي بالكامل.
أسباب وحلول
بدوره، ذكر الدكتور سيف الدين يوسف عودة، رئيس قسم السياسات في سلطة النقد الفلسطينية وأستاذ الاقتصاد المساعد في الجامعة الإسلامية، أن توقف قنوات الحقن النقدي، بالتزامن مع اتساع قنوات التسرب، أحدث اختلالًا كبيرًا في قوى الطلب والعرض على كل عملة من العملات النقدية الرئيسية المستخدمة (الدولار، والشيكل، والدينار)، ما أدى إلى أزمة سيولة نقدية حادة وغير مسبوقة، وظهور شريحة "المكيّشين".
وأوضح أن من أسباب تفاقم أزمة السيولة التوقف شبه الكامل لعمليات الإيداع، نتيجة الطلب المتزايد على النقد وتفضيل الاحتفاظ بالسيولة للاستفادة من عمولات التكييش.
وبيّن عودة، في ورقة سياسات تُشخّص أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة، أن السبب الثاني هو سيطرة الاحتلال على مئات الملايين من مختلف العملات، سواء من خزائن بعض البنوك، أو عبر سرقة ممتلكات وأموال المواطنين خلال اقتحام الجيش لمنازلهم، أو عند تفتيشهم على الحواجز، بالإضافة إلى ضياع مبالغ كبيرة نتيجة قصف المنازل والشركات والمحال ودفنها تحت الركام.
ولفت إلى أن إحجام عدد كبير من التجار عن قبول فئات العملة من الطبعات القديمة أو الأوراق المهترئة نسبيًا، أخرج كمية ليست بسيطة من السيولة النقدية من الدورة الاقتصادية، رغم أنها فئات سارية قانونًا ولا مشكلة في التعامل بها.
ويرى عودة أن الحلول تكمن في الضغط من قبل سلطة النقد والمؤسسات الدولية على الاحتلال لإدخال النقد اللازم لإعادة الدورة المالية إلى طبيعتها، بموجب نصوص اتفاق باريس الاقتصادي، وإلزام الاحتلال بما ورد فيه.
ودعا إلى خفض الطلب على النقد، والتوجه نحو أدوات الدفع الإلكترونية، لا سيما في ظل الحاجة الشديدة إلى بدائل للحد من ابتزاز "المكيّشين"، مع ضرورة ملاحقة ومعاقبة كل من ثبت تواطؤه في استغلال المواطنين، من خلال تجميد أو إغلاق حساباتهم المصرفية.
مخالفة للقانون الدولي
أكد مركز الميزان لحقوق الإنسان أن تدمير المصادر الأساسية لحياة السكان، بما في ذلك حرمانهم من الوصول إلى رواتبهم وأجورهم، يؤدي إلى تقويض قدرتهم على الحياة وتوفير الأساسيات الضرورية، ويُعدّ انتهاكًا لحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، التي تُشكّل حقًا أصيلًا لكل إنسان.
وشدد المركز، في بيان له، على أن السلوك الإجرامي المستمر لقوات الاحتلال الإسرائيلي، في إطار حرب الإبادة الجماعية، يُشكّل انتهاكًا جسيمًا للمعاهدات والاتفاقيات الدولية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وبيّن أن القانون الدولي الإنساني فرض مجموعة من الالتزامات القانونية على دولة الاحتلال، يُحظر بموجبها مهاجمة الأعيان المدنية والممتلكات الخاصة والعامة، بما فيها البنية التحتية للاقتصاد، باعتبارها أعيانًا مدنية، نظرًا لدورها الجوهري في حماية حق الإنسان في توفير الحدود الدنيا من مقومات العيش الكريم، وهو ما يتعارض مع سياسة إفقار الناس وتقويض قدرتهم على الوصول إلى أموالهم.
وطالب "الميزان" المجتمع الدولي بالضغط على الاحتلال لإدخال السيولة النقدية إلى قطاع غزة، وتحرير أموال المقاصة الخاصة بالقطاع، المجمدة من قبل وزارة المالية الإسرائيلية.