استهداف تكيات الطعام في غزة: إمعان في التجويع والإبادة الجماعية

استهداف تكيات الطعام في غزة: إمعان في التجويع والإبادة الجماعية
استهداف تكيات الطعام في غزة: إمعان في التجويع والإبادة الجماعية

الرسالة نت- خاص

في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، وسط ركام المباني المدمرة، كانت بقعة ضوء صغيرة تُعرف باسم "تكية الأمل". لم تكن هذه التكية مجرد مكان لإعداد الطعام، بل كانت رمزًا للصمود في مواجهة الجوع والحصار الذي يعاني منه سكان القطاع جراء إغلاق المعابر المستمر والحرب المدمرة التي يشنها الاحتلال، والتي أعقبت انتهاكه لوقف إطلاق النار.

كل يوم، كان المتطوعون يتوافدون قبل الفجر لإشعال النيران تحت قدور الحساء، وخبز الأرغفة الطازجة، لتوفير الطعام للمئات من العائلات التي فقدت كل شيء. 

وفي وقت كان القطاع يشهد أسوأ الأزمات الإنسانية، أصبحت "تكايا الطعام" أحد المصادر الأساسية للبقاء لسكان غزة، حيث تديرها منظمات دولية مثل "برنامج الأغذية العالمي" (WFP) والصليب الأحمر، وتعمل على توزيع المواد الغذائية الضرورية لأكثر من مليوني نسمة في القطاع.

لكن مع استمرار حرب الإبادة، أصبح الوصول إلى هذه المراكز محدودًا، وبعضها تعرض للقصف المباشر أو التدمير. 

ووفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية، يعاني نحو 60% من أطفال غزة من سوء التغذية، حيث يعجز العديد منهم عن الحصول على غذاء كافٍ يضمن نموهم الصحي. 
كما أن القيود المفروضة على حركة المواد الغذائية والمساعدات تساهم في تفاقم الأزمة.

أيمن مشتهى، شاب في الخامسة والعشرين من عمره، كان أحد أعمدة "تكية الأمل". فقد والده في الحرب الأخيرة، لكنه قرر أن لا يستسلم للحزن، بل كرس حياته لمساعدة الآخرين. كان يقول دائمًا: "لا أحد يجب أن ينام جائعًا في مدينتنا، حتى لو كانت السماء تمطر نارًا." 

في ذلك اليوم، كان أيمن وزملاؤه يوزعون الطعام على الأطفال، حين سمعوا صوت طائرة مسيّرة تحلق فوقهم. لم يكن لديهم وقت للهروب. في لحظة، دوى انفجار مروع، وتحولت التكية إلى كتلة من النيران.

 تناثر الدقيق في الهواء مثل الغبار، وتبعثرت أواني الطعام المملوءة بالحساء الساخن فوق الأرض الملطخة بالدماء. 

أيمن، الذي كان قبل لحظات يوزع الخبز على طفل صغير، وجد نفسه ملقى على الأرض، يشعر بحرارة اللهب في جسده، لكنه لم يهتم سوى بشيء واحد: أين الأطفال؟

بصعوبة، زحف بين الأنقاض حتى وصل إلى الطفلة ليان، ذات الخمسة أعوام، التي كانت تبكي وسط الدخان. حملها بين ذراعيه، متجاهلًا جراحه، وخرج بها إلى الشارع حيث تجمع الناجون المصدومون. 

في اليوم التالي، لم يتبقَ من "تكية الأمل" سوى الرماد، لكن سكان الحي لم يسمحوا لها أن تموت. 
بعد أيام قليلة، اجتمعوا، وجمعوا ما استطاعوا من مواد، وأعادوا بناء التكية من جديد، لأن في غزة، الأمل لا يُقصف، والكرامة لا تُهزم، ورغيف الخبز سيظل يقاوم.

هذه لم تكن الحادثة الأولى، فقد تعرضت العديد من "تكايا الطعام" للاستهداف، مما زاد من معاناة السكان الذين يعتمدون عليها كمصدر رئيسي للغذاء، خاصة في ظل الحصار الذي يمنع دخول المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ، خصوصًا في شهر رمضان المبارك.

"تكايا الطعام" هي مبادرات إنسانية يديرها متطوعون ومؤسسات خيرية، وتهدف إلى توفير وجبات ساخنة للعائلات الفقيرة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها غزة منذ أكثر من 18 شهرًا جراء حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال.

 وتستند هذه التكايا على التبرعات والمساعدات الإنسانية، التي تتأثر بدورها بقيود الحصار وإغلاق المعابر.

واستهدف الاحتلال بشكل مباشر 26 تكية طعام منذ بداية حرب الإبادة الجماعية على غزة، وأكثر من 37 مركزًا لتوزيع المساعدات، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية وفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة.

وأوضح المكتب الحكومي   في بيان صحافي، أن التكيات المستهدفة كانت "توزع الطعام على النازحين والجائعين" في أماكن مختلفة من القطاع. 

وذكر أن تلك الجرائم من شأنها أن تؤكد للعالم أن (إسرائيل) "تنتهج سياسة التجويع الممنهج كأداة حرب وإبادة جماعية 

 وقد أعربت منظمات حقوق الإنسان عن قلقها من استهداف المنشآت الإنسانية، مؤكدةً أن ذلك يعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

وناشدت مؤسسات الإغاثة المجتمع الدولي للتدخل العاجل لحماية المساعدات الإنسانية وضمان وصولها للمدنيين. 

وفي هذا السياق، أكدت المنظمات الإنسانية الدولية أن "تكايا الطعام" تعد محطات إنسانية لا يمكن اعتبارها أهدافًا مشروعة بموجب قواعد الحرب الدولية. 

وشددت الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة على أن الهجمات على هذه المرافق تتعارض مع القوانين الدولية التي تضمن حماية المنشآت الإنسانية.

ومع استمرار الاحتلال في عدوانه، يواصل المدنيون مناشدتهم لوقف الاعتداءات على المرافق الخيرية، محذرين من كارثة غذائية تهدد حياة آلاف الأسر. 

ويستمر الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ حرب إبادة جماعية ضد غزة، مخلفًا مئات الشهداء وآلاف الجرحى، في غارات متواصلة، مستهدفًا النساء والأطفال وكبار السن.

وفي وقت يعاني فيه قطاع غزة من حصار خانق وإغلاق كامل للمعابر، تشير التوقعات إلى نفاد كميات الدقيق والمواد اللازمة لإنتاج الخبز بحلول نهاية شهر مارس الحالي، ما ينذر بمجاعة وشيكة.

ويشهد القطاع أيضًا منع إدخال المساعدات الإنسانية الأساسية، بما في ذلك 1,400 شاحنة وقود و16,800 شاحنة مساعدات إنسانية كانت مخصصة لدعم المتضررين.

يشار إلى  إن الحصار المفروض  هو امتداد لسياسة ممنهجة من التجويع والتعطيش التي ينتهجها الاحتلال منذ 18 عامًا، ولكنها بلغت مستويات غير مسبوقة من الوحشية، حيث يتم استهداف مصادر الغذاء والدواء، ما يهدد حياة المدنيين في ظل صمت دولي مريب وعجز المنظمات الإنسانية عن القيام بدورها.

وتستمر السلطات الاحتلال في عرقلة تنفيذ البروتوكول الإنساني، حيث منعت دخول 200,000 خيمة و60,000 كرفان مخصصة لإيواء نحو 280,000 عائلة نازحة. كما ترفض إدخال المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام وانتشال جثامين أكثر من 11,000 شهيد ومفقود لا يزالون تحت الأنقاض، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يشهدها قطاع غزة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير