دليل جديد آخر، يسخر من واقع الظلم على هذه الأرض، وكانت كلمة أخيرة قبل الرحيل: "أجو اليهود، أجو"، وهو يعلم أن قدومهم نحو الفلسطيني، أي فلسطيني، يعني نهايته.
تخترق سيارة الإسعاف جوف الليل في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تبحث عن رفاق المهنة. صوت رفعت رضوان يتردد: "يارب يكونوا بخير، يارب". تقترب من سيارة الرفاق، فينزل الرصاص نحوهم والقذائف كالمطر. فترتفع شهادته، وبدلًا من أن يكون المنقذ، رفع بصره إلى السماء لينطق الشهادتين.
"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله، سامحيني يا أمي، سامحوني"، كانت كلمات المسعف رفعت رضوان المسجلة على هاتفه هي آخر الإشعارات التي وجدت على هاتفه والتي استطاع توثيقها يوم استهدافه مع 14 مسعفًا وموظفًا من الدفاع المدني.
"هذه طريقنا يمه، بدنا نساعد الناس، ولم أدخل هذا الطريق إلا لأساعد الناس، يارب تب عليّ وتقبلني شهيدًا"، كانت تلك شهادة المسعف رفعت رضوان التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز أمس الأحد، والذي وثق طريقه مع زملائه نحو الشهادة بالصوت والصورة ووجدت في هاتفه بعد أن سلم الاحتلال جثامينهم.
ولم تكن شهادة رفعت رضوان فقط هي الدليل الوحيد على قذارة هذا المحتل، بل إن الفيديو الذي نشرته أيضًا صحيفة هآرتس العبرية ثبتت فيه شهادة الشهيد المسعف رضوان، ولم تختلف عنها. سيارات الدفاع المدني والهلال الأحمر مضاءة بالفوسفور، بل كل أضوائها توضح أنها سيارة إغاثة. ورغم ذلك، انهال المطر على الطواقم الإغاثية والطبية كالمطر، قاصدًا، همجًيا وقاتلًا.
ولعل المخزي والمبكي في نفس الوقت أن ينشر الإعلام العبري ويقدم للعالم شهادة ضد حكومة نتنياهو، تثبت للمرة المليون أنها حكومة سادية قاتلة، ولكن هذا العالم بات يعلم، ولكنه لا يريد أن يعترف.
ولم تتناقض الصورة مع شهادة منذر عابد، الناجي الوحيد مع زميله أسعد النصاصرة، يصف ما حدث قبل اعتقاله يوم استهداف طواقم الدفاع المدني والهلال الأحمر.
"كانوا يطلقون النار من فوقي، وكل رصاصة كانت وكأنها تخترق جسدي. لم أعرف مصير أصدقائي بالبداية بسبب عتمة الليل، وبعد أن أشرقت الشمس، بدأت الدبابات تدخل نحونا، وأحاطونا من جميع الجهات. في المكان الموجودين فيه بين شارع الشاكوش وبركة القادسية.
يضيف: "نقلوني حينما عرفوا أنني على قيد الحياة، كانوا قد حفروا حفرة عميقة، رأيت سيارات الدفاع المدني والهلال واقفة وعليها آثار دماء، وأبوابها مفتوحة. لم أر أحدًا من زملائي. تحركنا، ونقلوني إلى مكان آخر، ورأيت الحفار يحفر حفرة عميقة ويدفن السيارات. ولم أر زملائي حتى اللحظة، ولم أعرف عنهم شيئًا"
ولم يكن عابد وحده الشاهد، فقد كان له رفيق قد نجى من المذبحة: "الضابط أحضر زميلي أسعد النصاصرة، وكانوا قد اعتقلوه، ووثقوا يديه وأجلسوه إلى جانبي. حاولت سؤاله عن مصير زملائي، وقال لي إن صالح معمر مصاب إصابة خطرة ولا يعرف مصيره. وزميلنا محمد الحيلة وأشرف أبو لبدة ورائد الشريف ورفعت رضوان كانوا جميعهم مصابين وينطقون الشهادة، ولكنه لم يكن متأكدًا من استشهادهم"
لا يعرف منذر عابد شيئًا عن صديقه أسعد النصاصرة بعد ذلك المشهد، فقد أفرج الاحتلال عنه، ولم يعد المناصرة معه، لكنه يقول: "كنا على تنسيق يوم دخلنا إلى رفح. كانت جميع الأضواء واضحة، وشعار الهلال الأحمر على السيارات، وكان لديهم الإشعار وكود السيارة، وكان واضحًا جدًا أنها تتبع منظمة صحية. وكنا على تنسيق مع منظمة أوتشا، ولم تطفأ السيارات إلا بفعل إطلاق النار فقط."
يصف إطلاق النار بأنه كثيف جدًا "بعد أن أجلسوني على الأرض، كانوا يطلقون بشكل كثيف من جانبي وأنا مستلق في سيارة الدفاع المدني قبل أن يكتشفوا أنني على قيد الحياة"، ولكنه لم يكن يعلم أن هناك تفاصيل أخرى ستكتشفها طواقم الإسعاف حينما يسمح لها بالعودة إلى رفح بعد أسبوعين لانتشال الطواقم، ولم يخطر بباله أن يقتلهم المحتل، ويمثل بأجسادهم، ثم يدفنهم بطريقة بشعة، لا لشيء، سوى لأنهم أرادوا أن يكونوا سببًا لإنقاذ أحدهم من الموت!