وهكذا مارس الاحتلال كل أشكال القتل، على كل فئات المجتمع الغزي، لم يستثنِ صاحب مهمة إنسانية، طبيبًا أو مسعفًا، أو طفلًا أو امرأة أو صحافيًا مهمته نقل الصورة، بل هو استهدف الصحافيين بالذات لأنه أراد حجب الصورة عن العالم.
اليوم سُجّل الاستهداف رقم 210، فارتقى الصحافي حلمي الفقعاوي محترقًا، أمام العالم، بالصوت والصورة، بينما شاركه زملاؤه ذات القدر محترقين مصابين إصابات بالغة الخطورة.
ما جرى في محيط مستشفى ناصر الطبي، وتحديدًا في خيام الصحفيين، هو أن طائرات الاحتلال (الإسرائيلي) استهدفت خيمة وكالة فلسطين اليوم، استهدافًا مباشرًا متعمدًا، فاشتعلت النيران بأجساد الصحافيين أمام الكاميرات المنصوبة، فانتقلت الصورة للعالم.
كان الزميل أحمد منصور، الذي ظهر محروقًا وهو يجلس على كرسيه، يباشر عمله حيث يعمل في شِفت المساء كمحرر، حينما سقط الصاروخ إلى جانبه تمامًا، وأُصيب بحروق وجراح بالغة. وكان بجواره نائمًا الشهيد حلمي الفقعاوي، الذي طار جسده إلى مسافة بعيدة من هول القصف وشدة الضرب، وكان برفقته الزميل حسن أصليخ، الذي كان متواجدًا على مقربة من زاوية الخيمة.
تمكنت الفرق الطبية من نقل حلمي وحسن، وبعدها تفاجؤوا بأن الشاب يوسف الخزندار، وهو شاب يرافق الصحافيين نائمًا معهم في الخيمة، قد أُصيب بشظية أودت بحياته على الفور.
وبعدها تبيّن أن الشظايا قد تناثرت في المكان وأصابت الصحافيين أحمد الأغا، ويعمل في قناة BBC، بينما أُصيب الصحافي محمود عوض، مصور الجزيرة، بشظية في الرأس وحالته بسيطة، وأُصيب الصحافي محمد فايق وعبد الله العطار، وأيضًا الصحافي ماجد قديح، وتبيّن أنه أُصيب بشظية في الظهر، وأيضًا أُصيب علي أصليح، وكذلك إيهاب البرديني.
محرقة متكاملة الأركان، تشبه سابقاتها من المحارق التي تُمارس على شعبنا منذ عام ونصف العام، أمام مرأى العالم دون أي تغيير أو تضامن حقيقي أو موقف عربي ينهي آلة القتل الصهيونية التي عاثت فسادًا بأجساد الغزيين، ومارست أبشع أشكال القتل والإبادة.
أحمد منصور كان جالسًا على كرسيه، والنار تشتعل، رأسه يتدلى بصمت، لم يصرخ، ولم يرفس، ولم يقاوم، ولم يكن بالطبع مستسلمًا، لكن صوته المكتوم وصل للعالم.
أحمد منصور، الصحفي والأب، الذي يعمل مراسلًا في وكالة فلسطين اليوم، حسابه على فيسبوك أصبح دفتر عزاء، مليئًا بنعي الشهداء من عائلته وأقاربه. كل صورة يشاركها، كل لحظة ينشرها، تترك جرحًا أعمق في قلبه.ليس مشهدًا من هوليوود الذي جعل الجميع يتوقع استشهاده... وهو يرقد الآن في العناية المركزة في حالة صحية حرجة.
كذلك الصحافي حسن أصليح، تمدّد على سرير المستشفى، وحوله الرفاق والأطباء، كل يحاول إنقاذ حياته، بإصابة خطيرة في الرأس وحروق في ذراعيه وأجزاء من جسده، ولا زال وضعه خطيرًا.
ثارت الدنيا من جديد، على منصات التواصل، وكشفت عن متضامنين يكررون النعي والدعوات، ويطالبون للمرة المليون بإنقاذ ما تبقى من غزة، من براثن الإبادة التي تحدّت العالم وتواقحت.
وحمّل "الإعلامي الحكومي" الاحتلال (الإسرائيلي)، مع الإدارة الأمريكية، والدول المتواطئة في جريمة الإبادة الجماعية، مثل المملكة المتحدة، ألمانيا، وفرنسا، المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة النكراء، التي لا يمكن وصفها إلا بالوحشية البشعة، والتي ارتُكبت بحق أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم يسعون إلى الحياة والكرامة.
نداءٌ ارتفع من أعماق القلب، مطالبًا المجتمع الدولي ومنظماته الإنسانية والإعلامية في جميع أنحاء العالم أن يقفوا بشجاعة ضد هذه الجرائم الفظيعة. دعوة إلى إدانة الاحتلال بكل حزم، وملاحقة مجرميه في المحاكم الدولية ليُحاكموا على ما اقترفوه من مآسٍ لا تُغتفر.
وفي صرخة ألمٍ وإنسانية، طالب بممارسة ضغط دولي حقيقي وفعّال لوقف جريمة الإبادة الجماعية، من أجل حماية الصحفيين والإعلاميين الذين يُستهدفون يومًا بعد يوم، وتُعرّض حياتهم للتهديد والتدمير.
لقد حان الوقت لوقف جرائم القتل والاغتيال التي تطالهم، وتقديمهم إلى العدالة، ليحظوا بالحماية التي يستحقونها، وهم الذين ينقلون الحقيقة ويقفون في وجه الظلم، بقلوب لا تعرف إلا الشجاعة والإصرار