الورقيات ..طعام أهل غزة الأخير

غزة _ خاص الرسالة نت 

لم تكن رحمة أبو منديل، الأربعينية التي هجّرتها الحرب من شرق مدينة دير البلح ، تعتقد يومًا أن ما كانت تُعدّه في سنوات مضت “طعام الفقراء”، سيغدو اليوم حلمًا صعب المنال. مع إغلاق المعابر وتدمير أغلب الأراضي الزراعية على يد الاحتلال، تحوّلت الورقيات البسيطة إلى وجبة النجاة اليومية لعائلات بأكملها.

في ساعات الصباح الأولى، تخرج رحمة من مخيم النزوح على شارع صلاح الدين ، تحمل سلة خوص بائسة، وتبدأ في جولة بحث مضنية عن أعشاب برية بين أطراف الشوارع، في الأراضي المهملة في أي مكان قد تنبت فيه الحياة. عيناها تبحثان عن الخبيزة و الرجلة، أو حتى قليل من السلق… “أي ورقة خضراء قد تطهوها لتقنع أطفالها بأن الجوع ليس قدرًا دائمًا”.

منذ أن توغّل الاحتلال في أراضي قطاع غزة الشرقية، حيث كانت الزراعة النابضة، خسر الناس مصدر غذائهم الأساسي. فقدت معظم الخضراوات وإن وجدت، فأسعارها تفوق الخيال. 
محمود أبو زر والد لخمسة أطفال، وقف حائرًا أمام بائع الملوخية في سوق النصيرات، يتأمل حزمة صغيرة يُعرض الكيلو منها بأكثر من 10 دولارات. هزّ رأسه بحزن، وقال: “حتى الورق صار أغلى من اللحم”.

الزراعة التي كانت عماد الحياة، أصبحت ذكرى. الأراضي إما مدمّرة أو محاصرة، والمعابر مغلقة، والمساعدات لم تدخل إلى غزة منذ قرابة الشهر. 
كل شيء تغيّر. النساء كرحمة، والأمهات كأم محمد، صرن يعلّمن بناتهن كيف يميزن بين عشبةٍ صالحة للأكل وأخرى ضارة. “لم نعد نطبخ، بل نقوم بعملية بقاء”، تقول أم محمد، وهي تنظف بقايا خبيزة جمعتها من أحد أطراف المخيم.

أعشاب الأرض أصبحت المأوى الأخير في غزة. البعض يجمعها ليأكل، والبعض الآخر ليبيع ما يجده لسد احتياجات عائلته. 
المشهد واحد: أطفال حفاة، نساء منحنيات يبحثن بين الأعشاب، رجالٌ واقفون في السوق دون قدرة على الشراء.

ورغم كل شيء، تصرّ رحمة على العودة كل يوم إلى جولتها بين الحقول، ترجو من الأرض أن تمنحها ما يكفي ليومٍ آخر من الصمود. “هذه الورقيات ليست طعامًا فقط”، تقول، “إنها الحياة… الحياة كما نعيشها نحن في غزة، بسيطة، عنيدة، وتكبر من بين الشقوق”