الطفل أركان النجار… ذهب ليشتري الفلافل فعاد بالكفن!

خاص الرسالة نت

كان المساء ثقيلًا على غزة، كعادته في زمن الحرب، حين قال الطفل أركان النجار لوالدته بصوته الطفولي الحنون: "يا ماما، أنا جوعان… بدي فلافل".

أركان، الطفل ذو الأعوام السبعة، كان وحيد والديه. لا أخ له ولا أخت، لكنه كان يُلحّ على والدته كل حين: "روحي عند الدكتور، جيبيلي أخ ألعب معه، ما في غيري".

لم تكن الأم تدري أن هذا الطفل، الذي طالما احتضنته كأنها تحضن قلبها، سيذهب ذات مساء لإحضار الفلافل، ولن يعود!

خرج أركان مع جدته، يركض بفرح طفولي بريء نحو بائعهم المعتاد في منطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، بحثًا عن وجبة بسيطة تشبع الجوع الذي صار عادة يومية تحت الحصار. 

وفجأة.. اهتزت الأرض، قصف (إسرائيلي) مفاجئ ضرب المكان. تناثرت الصرخات، والدخان، والأجساد.

ركض الأب حافي القدمين، مذهولًا، لا يرى سوى صورة واحدة في رأسه: أركان.  

بحث بين الأنقاض، بين الجثث، بين الصراخ… لم يكن هناك، لا أثر له.

ثم بعد ساعات من القلق والموت المعلّق، وُجد أركان. 

لم يكن يحمل قرص فلافل في يده، بل كان مسجى في المستشفى الميداني في خان يونس، بلا نبض، بلا روح، ملفوفًا بالكفن الأبيض.  

استُشهد أركان جائعًا، صغيرًا، بريئًا.. وحيدًا كما وُلد، كما عاش، وكما مات.

منذ 7 أكتوبر 2023، يحيا أطفال غزة داخل جحيم مفتوح، في أقل من 15 شهرًا من الحرب، تحوّل القطاع إلى مقبرة جماعية، حيث قتل الاحتلال (الإسرائيلي) أكثر من 50,846 فلسطينيًا، بينهم ما يزيد عن 15,800 طفل، وجرح 115,729 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء.

في أزقة غزة، لا تمر دقيقة دون أن يفقد طفل ذراعه، أو حياته، أو عائلته بأكملها.  

بل إن هناك أكثر من 14,000 مفقود، كثير منهم أطفال لا يزالون تحت الركام، لم يبكِهم أحد بعد.

وفي الوقت الذي كان العالم يتنفس راحة بعد اتفاق لوقف إطلاق النار في 19 يناير 2025، عاد الاحتلال ليقصف من جديد في 18 مارس، منتهكًا الاتفاق الهش، لتعود المجازر، وتبدأ المجاعة، وتستمر الإبادة.

قصة أركان ليست مجرد مأساة فردية، بل هي مرآة لما يحدث في غزة كل يوم، لأطفال يذهبون ليشتروا خبزًا، أو دواء، أو يلعبوا، فيعودون محمولين على الأكتاف، أو يُنتشلون من تحت الأنقاض، أو لا يعودون أبدًا.

أركان النجار… لم يحصل على فلافله، لكنه حصل على كفن أبيض صغير، دفن فيه حلمه بأخٍ جديد، وأمله في وجبة ساخنة، وحقه في الحياة.