منذ انطلاق “طوفان الأقصى”، بدا واضحًا أن جيش الاحتلال ( الإسرائيلي) يمرّ بأسوأ أزماته على الإطلاق – ليس فقط ميدانيًا، بل من الداخل أيضًا.
الجبهة الحقيقية التي تهدد "الجيش الأقوى في الشرق الأوسط" لم تعد حدود غزة، بل تمرد جنوده، وانهيار الثقة بين القيادة والجنود، وحتى رفض الخدمة العلني من قبل الطيارين، والأطباء، والضباط.
تمرد بالزي العسكري
ما كان يُهمس به في الغرف المغلقة، خرج إلى العلن بصوت الطيارين. إذ نُشرت رسالة صادمة وقّع عليها حوالي 950 من جنود وضباط سلاح الجو، دعا فيها الموقعون إلى وقف القتال الفوري وإعادة الأسرى، معتبرين أن الحرب لم تعد تخدم أهدافًا أمنية بل سياسية وشخصية.
وفي رد لا يخلو من استبداد، هدّد قائد سلاح الجو، اللواء تومر بار، بفصل كل من لم يسحب توقيعه، وهو ما لم يحدث سوى مع خمسة جنود فقط! بمعنى آخر: الجنود قالوا "لا"، وأداروا ظهورهم للتهديدات.
قرار فصل الموقعين أكد دون شك عمق الأزمة داخل المؤسسة العسكرية، التي بدأت تتعامل مع المعترضين وكأنهم خطر داخلي لا يقل عن "العدو الخارجي".
التمرّد ينتشر
لم يكن الطيارون وحدهم، إذ انضم إليهم نحو 100 طبيب عسكري من الاحتياط، موقّعين على رسالة ترفض استمرار القتال باسم "قدسية الحياة". وتبعهم 150 ضابطًا من سلاح البحرية، وجهوا رسالة مباشرة إلى نتنياهو ووزير دفاعه: "أنتم من يتحمل المسؤولية، لا نحن!"
حتى سلاح المدرعات لم يكن بعيدًا، كما أكّد العميد (احتياط) أريئيل هايمان، الذي كشف عن وصول دعوةٍ إليه بعد ساعات من نشر رسالة الطيارين، لتوقيع عريضة جديدة... ثم أخرى من سلاح البحرية، وآخرها من الأطباء. وقال ساخرًا: "هل سيتم إقالة كل وحدة في الجيش؟".
قادة سابقون يقلبون الطاولة
الرسالة لم تأتِ من الرتب المتوسطة فقط، بل من قادة بارزين سابقين: الفريق دان حلوتس، القائد الأسبق لأركان الجيش، واللواء نمرود شيفر، وآخرين من قادة سلاح الجو وسلطة الطيران المدني. هؤلاء لم يكتفوا بالتحذير، بل أعلنوا رفضهم العلني لسياسات الحكومة وقراراتها التي "تذبح الجنود سياسيًا".
الأسرى في الأنفاق
حكاية الأسرى الـ59 في أنفاق غزة أصبحت الشرارة التي فجّرت التمرد. العقيد (احتياط) أوري أراد قالها بوضوح: "كنت أسير حرب، لكن ما يمرون به الآن أسوأ بعشرات المرات".
أما والدة أحد الأسرى، إيناف تسينغاوكر، فقد عبّرت عن خذلانها بكلمات موجعة: "منذ استئناف القتال، أشعر أن الحكومة لا ترانا... لا أحد يهتم".
نتنياهو يرد : مجموعة متطرفة
الرد الرسمي كان هجوميًا، بل يمكن وصفه بالهستيري. رئيس الوزراء نتنياهو وصف الجنود المحتجّين بـ"المجموعة المتطرفة التي تمزّق المجتمع".
أما قائد القوات الجوية، فأصدر أمرًا رسميًا بفصل الموقعين، رغم اعتراف الجيش لاحقًا أن "معظمهم ليسوا في الخدمة الفعلية".
غزة: المقبرة لأسطورة الجيش الأقوى
بين تمرد الطيارين، رسائل الأطباء، وصمود غزة البطولي، يبدو أن ما يسقط في هذه الحرب ليس فقط الأبراج في غزة، بل هيبة المؤسسة العسكرية ( الإسرائيلية ) كلها. لم تعد المسألة "أمنًا" بل "نظامًا يترنّح"، وجيشًا ينهار من الداخل. فمتى تعترف تل أبيب أن "أسطورة الجيش الذي لا يُقهر" ليست أكثر من دعاية قديمة… أكلها الصمود الفلسطيني حيّة؟