أسطول من الطائرات المسيرة والمقاتلات الحربية يحوم في سماء غزة منذ 18 شهرًا، يراقب كل حركة تجري في القطاع، لكنه عجز عن رصد الكمين الذي أُعد لقوة مقاتلة تقدمت على الأرض شرق حي التفاح.
وكأن الحرب في بدايتها، تقدمت مدرعة باتجاه المنطقة الشرقية لمدينة غزة، المنطقة التي سحق الاحتلال مبانيها ودمر شوارعها وادعى أنه قضى على البنية التحتية للمقاومة فيها بعد عدة عمليات عسكرية. لم تلبث تلك المدرعة أن سقطت مباشرة في كمين محكم أُعد لها من نفق مكشوف ومدمر.
كتائب القسام أعلنت عن الكمين وبثت مشاهد تُظهر مقاتليها وهم يستهدفون القوة، مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة خمسة آخرين.
في ذات اليوم، عادت المروحيات التي نقلت قتلى وجرحى الاحتلال من شرق التفاح إلى مدينة بيت حانون لتنقل آخرين سقطوا في كمين آخر للمقاومة هناك.
منذ أن أعلن الاحتلال توسيع المنطقة التي يطلق عليها "الأمنية" في شمال وشرق قطاع غزة، بدأت قواته تتعرض لكمائن متتالية للمقاومة في مناطق يُفترض أنها مكشوفة وتم تدميرها سابقًا عبر عمليات عسكرية متكررة.
صدمة في دولة الاحتلال
المشاهد التي بثتها كتائب القسام عن كمين شرق بيت حانون أحدثت صدمة كبيرة وردود فعل غاضبة داخل دولة الاحتلال، خاصة أنها تأتي بعد مزاعم متكررة للجيش بالقضاء على الجناح العسكري لحماس في تلك المناطق.
الصحفي الإسرائيلي ألموغ بوكير علّق على فيديو القسام قائلاً: "الفيديو يظهر حجم الفشل العملياتي للجيش. فوهة نفق كان الجيش على علم بها لكنها تُركت دون معالجة، والمرصد العسكري أقيم على بُعد 200 متر فقط منها. حظ كبير أن العملية انتهت هذه المرة دون أسرى."
فيما قال لواء الاحتياط إسحاق بريك: "خسرنا الحرب في غزة وحماس استعادت قوتها. (إسرائيل) خسرت الحرب أمام حماس، والرواية الرسمية حول الإنجازات العسكرية مليئة بالأكاذيب."
وأضاف أن القيادة العسكرية كذبت على الجمهور بمساعدة الإعلام "المُجند"، مؤكدًا أن دولته على حافة الانهيار الداخلي نتيجة الانقسامات المجتمعية العميقة. كما أشار إلى أن رئيس الأركان إيال زامير مجرد أداة بيد نتنياهو وكاتس، ويضلل الجمهور بشأن تحرير الأسرى بالقوة.
أزمات تعصف بالكيان
تثير الكمائن المتكررة والخسائر في صفوف جيش الاحتلال صدمة وأزمة داخل الكيان نتيجة لعدة عوامل:
-
الصراع الداخلي في الكيان
الانقسامات العميقة بين الائتلاف الحكومي والمعارضة، بالإضافة إلى رفض شريحة كبيرة من المجتمع الإسرائيلي الحرب. كثيرون يعتبرونها حربًا شخصية لنتنياهو، تهدف لتحقيق مكاسب سياسية على حساب مصالح الدولة وإعادة أسراها من يد المقاومة. -
رفض قوات الاحتياط التجنيد
يعاني الجيش من أزمة رفض كبيرة في صفوف الاحتياط، حيث يرفض أكثر من 40٪ من قوات الاحتياط التجنيد. كما أُجبر العديد منهم على الخدمة لفترات تتجاوز ستة أضعاف أيام العمل المطلوبة قبل الحرب. العرائض التي وقعها قادة وضباط احتياط، وصلت إلى أكثر من 130 ألف توقيع تطالب بإنهاء الحرب وعقد صفقة تبادل. -
عجز في صفوف الجيش
يعاني الجيش من نقص حاد في الأفراد، مما دفع القيادة العسكرية إلى إلغاء الإجازات الخاصة بالجنود والضباط النظاميين وسحب أعداد منهم من بعض الجبهات لتركيزها على المناطق الأكثر إلحاحًا. -
انعدام الخطط العملياتية الواضحة
الحرب المستمرة دون تحقيق أهداف واضحة، مع تكرار العمليات في ذات المناطق، أدى إلى إنهاك الجيش. يرى العديد من الجنود والضباط أن هذه الحرب أصبحت عبئًا يستنزف قواهم دون جدوى أو رؤية استراتيجية.
استنزاف لا نهاية له
باتت حرب نتنياهو على غزة عبئًا على جيشه الذي يغرق يومًا بعد يوم في المستنقع، دون تحقيق إنجازات تُذكر سوى تعزيز الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي. ومع استمرار المقاومة في توجيه ضرباتها وتكبيد الاحتلال خسائر فادحة، تتعمق أزمة القيادة الإسرائيلية أكثر، مما ينذر بانهيار داخلي بات وشيكًا.