في خضم العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، لم تعد خسارة فلسطين فقط مئات الأرواح من مدنييها، بل أيضاً نخبتها العلمية التي تشكل العمود الفقري لمشروعها الوطني وحلمها في النهوض والاستقلال.
فقد بات استهداف الأكاديميين والعلماء في هذه الحرب سياسة ممنهجة، ضمن مساعٍ لإفراغ المجتمع الفلسطيني من عقول تقود التقدم والمعرفة.
ومع تصاعد القصف واستمرار العدوان الذي طال كل مناحي الحياة، سجلت الساحة الأكاديمية في غزة فاجعة جديدة مع استشهاد الدكتور فايق رمضان الناعوق، نائب رئيس جامعة الأقصى للشؤون الإدارية والمالية. الناعوق، أحد أبرز الكفاءات العلمية والإدارية في الجامعة، ارتقى شهيداً إثر غارة استهدفت عدة منازل في بلدة جباليا شمال القطاع.
على مدى سنوات، ترك الدكتور الناعوق، الحاصل على درجة الدكتوراه في الرياضيات، بصمته في تطوير منظومة التعليم العالي بغزة. فقد شغل عدة مناصب قيادية بينها عميد كلية العلوم التطبيقية وعميد القبول والتسجيل، إلى جانب عمله الأكاديمي أستاذًا للرياضيات والفيزياء الرياضية. ولم يقتصر دوره على التدريس فقط، بل امتد إلى الإشراف على أبحاث علمية ورسائل أكاديمية ومشاريع تطوير المناهج الجامعية.
استشهاد الناعوق يعيد للأذهان فاجعة سابقة هزت المجتمع الأكاديمي الفلسطيني نهاية العام الماضي، حين استشهد العالم الفلسطيني الدكتور سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية في غزة، في ديسمبر/كانون الأول 2023، بعد قصف منزله بمنطقة الفالوجا في جباليا.
تايه، الذي ولد عام 1971 في مخيم جباليا، كان أحد أبرز العلماء الفلسطينيين في مجالي الفيزياء والرياضيات التطبيقية. تميز بمسيرة علمية حافلة بالإنجازات، منها توليه رئاسة الجامعة الإسلامية، وحصوله على عدة جوائز مرموقة، أبرزها جائزة البنك الإسلامي الفلسطيني للبحث العلمي، وجائزة عبد الحميد شومان للعلماء العرب الشبان. كما كان حاملاً لكرسي اليونيسكو لعلوم الفيزياء والفيزياء الملكية وعلوم الفضاء، وهو إنجاز عزز مكانة فلسطين علمياً على المستوى الدولي.
ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن هذه الخسائر ليست معزولة، حيث أفاد في بيان رسمي أن الاحتلال الإسرائيلي قتل أكثر من 150 عالماً وأكاديمياً وأستاذاً جامعياً منذ اندلاع الحرب الجارية، في ما وصفه بـ”جريمة إبادة تستهدف العقول الفلسطينية وتنسف مقومات البقاء الحضاري”.
في هذا السياق، قال الدكتور مروان أبو راس، نائب رئيس رابطة الجامعات الفلسطينية، إن الاحتلال لا يكتفي بتدمير الحجر، بل يسعى لكسر إرادة العلم والمعرفة، باغتيال العقول التي تبني المستقبل. استشهاد الناعوق وتايه، وقبلهما العشرات من العلماء والأكاديميين، يكشف عن سياسة منظمة هدفها تجريف النخبة الفلسطينية.”
كما أشار بيان صادر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الفلسطينية إلى أن “استهداف الأكاديميين يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، ويعكس نية الاحتلال في ضرب الأساس المعرفي والعلمي الذي تحتاجه فلسطين في معركة التحرر والبناء”.
وتأتي هذه الاستهدافات في وقت يعاني فيه قطاع التعليم العالي في غزة من دمار واسع النطاق؛ إذ تضررت عشرات الجامعات والكليات، وحرم آلاف الطلبة من استكمال دراستهم، في انتكاسة خطيرة لمسيرة التعليم الذي لطالما كان صمام أمان للهوية الوطنية الفلسطينية.
ومع ذلك، يبقى الأمل معقودًا على إصرار الفلسطينيين على إعادة بناء مؤسساتهم الأكاديمية مهما بلغت الخسائر. فكما أكدت وزارة التربية والتعليم العالي، “دماء شهدائنا من العلماء والأكاديميين ستبقى نبراساً يضيء طريق الأجيال القادمة، وإرثهم العلمي سيظل حياً في وجدان هذا الشعب المكافح”.