يشكو المواطنون وأصحاب الأعمال من القيود المشددة التي تفرضها البنوك الفلسطينية على التحويلات المالية بين الحسابات، ما يثير استياءً واسعًا في الأوساط الاقتصادية. وتأتي هذه الإجراءات في تناقض واضح مع توجهات سلطة النقد الفلسطينية، التي دعت مرارًا إلى تبني الاقتصاد الرقمي وتقليص الاعتماد على التعاملات النقدية.
وتأتي التقييدات على الحسابات وسط أزمات السيولة الخانقة والانهيار الجزئي في المنظومة المصرفية بقطاع غزة، وهو ما يزيد معاناة المواطنين الذين باتوا يعانون الأمرّين.
ويعيش قطاع غزة أزمة سيولة مالية خانقة خلال الحرب الجارية على غزة، تفاقمت بفعل الحصار المشدد، وتدهور الوضع الإنساني، وتراجع النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى تعرض البنية التحتية المصرفية للضرر.
** تقييدات وتبريرات
وقال خالد، صاحب مكتب خدمات مالية بغزة: "نحن نواجه صعوبة يومية في تحويل الأموال بين الحسابات، حتى المبالغ البسيطة تحتاج إلى موافقات أمنية ومصرفية معقدة، ما يدفع الكثيرين للعودة إلى استخدام الكاش رغم ندرته وتلفه".
وأضاف: "نعمل على تكييش الأموال عبر التحويلات، ولكن عند إجراء بضع عمليات، يتوقف التحويل بسبب الوصول للحد الأقصى للعمليات المسموح بها".
ورغم هذه الممارسات، تواصل سلطة النقد، التأكيد على أهمية تعزيز الاعتماد على الحسابات المصرفية، معتبرةً أن ذلك يعزز الشفافية، ويكافح غسل الأموال، ويدعم جهود الاستقرار المالي. إلا أن الأوضاع على الأرض، خصوصا في غزة، تُظهر بوضوح الهوة الواسعة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي.
وترفض سلطة النقد بالمطلق الحديث عن أزمة السيولة في أسواق قطاع غزة، وهو ما يعمّق الأزمة ويفقد الغزيين الثقة في فئات معينة من النقد والعملة القديمة والتالفة.
كشف مصدر مصرفي في أحد البنوك العاملة بقطاع غزة عن أسباب فرض قيود مشددة مؤخراً على عمليات السحب وتحويل الأموال.
وقال المصدر في حديث لـ "الرسالة نت" إن هذه الإجراءات تأتي في ظل "مخاوف من تسرب الأموال إلى جهات غير شرعية وسط حالة من الانفلات الأمني النسبي"، بالإضافة إلى "نقص حاد في السيولة النقدية بالشيكل والدولار"، وصعوبات كبيرة تواجه إدخال العملة النقدية إلى القطاع.
وأضاف المصدر أن البنوك تخشى من العجز عن تلبية طلبات السحب مستقبلاً، خاصة إذا زادت حركة الأموال بشكل مكثف ومفاجئ، مما قد يؤدي إلى أزمة سيولة أكبر.
رغم هذه التبريرات، لم تقنع السياسات المصرفية الجديدة كثيراً من المواطنين والمراقبين، حيث اعتبروا أن هذه الإجراءات تساهم في تعميق أزمة الثقة بالقطاع المصرفي، وتفاقم معاناة الأهالي الذين يعتمدون بشكل أساسي على مدخراتهم في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة.
** تحذير مؤسسات اقتصادية
"تحذر مؤسسات اقتصادية محلية من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى انهيار كامل للثقة في البنوك، وانزلاق القطاع المصرفي نحو اقتصاد موازٍ خارج عن السيطرة الرسمية.
في المقابل، دعت شخصيات اقتصادية ومؤسسات من المجتمع المدني في قطاع غزة إلى تحرك عاجل لمعالجة الأزمات المتفاقمة داخل الجهاز المصرفي، لما لها من تأثير مباشر على حياة المواطنين والنشاط الاقتصادي.
وطالبت هذه الجهات سلطة النقد الفلسطينية بإصدار تعليمات واضحة تُلزم البنوك العاملة في القطاع بتسهيل إجراءات التحويلات المالية، بما يضمن وصول الأموال بشكل سريع وآمن إلى مستحقيها دون تعقيدات إضافية.
كما شدد المشاركون في هذه الدعوات على أهمية وضع آلية رقابة مستقلة، لضمان عدالة تنفيذ المعاملات البنكية ومنع أي ممارسات تمييزية أو تعطيلية، خاصة في ظل حالة القلق السائدة.
وأكدوا أن معالجة أزمة السيولة تتطلب حلولاً جذرية عبر إدخال النقد الكافي (شيكل ودولار) بشكل منتظم ومستقر إلى غزة، لتفادي الانهيار المالي المحتمل وتلبية احتياجات الأفراد والشركات.
وحثّت الدعوات على إطلاق برامج توعية مصرفية تهدف إلى طمأنة المواطنين، وتعزيز ثقتهم بالجهاز المصرفي، في محاولة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي وإعادة الحيوية إلى السوق المحلي.