في وقت يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، تتكشّف ملامح خطة أمريكية-إسرائيلية مشتركة، تسعى إلى إحكام الحصار على الفلسطينيين بشكل أكثر "نظافةً" إعلاميًا، من خلال إعادة تغليف سياسة التجويع بأدوات ومصطلحات "إنسانية"، عبر ما يُعرف بخطة توزيع مساعدات محدودة على السكان تحت إشراف شركات دولية.
الدكتور رامي عبده، رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، كان من أوائل من نبهوا إلى هذه الخطة، واصفًا إياها بأنها "ليست مشروعًا إنسانيًا، بل مناورة مدروسة لإعادة تغليف الحصار، وتقنين التجويع، وتحويل الطعام إلى أداة قهر وخضوع تمهّد لاقتلاع السكان من أرضهم".
واعتبر عبده هذه الخطة بمثابة انتهاك صارخ لواجب إدخال المساعدات بشكل فوري وفعّال ودون عوائق، كما يُقرّه القانون الدولي. مؤكدا أن الهدف ليس الإغاثة، بل فرض السيطرة، وكسب الوقت لصالح (إسرائيل)، وتوسيع قبضتها العسكرية على الأرض، وإجبار السكان على النزوح عبر إنهاكهم وتجويعهم وتحويلهم إلى أرواح منهكة وبطون جائعة تنتظر وجبة أسبوعية.
وقال: هذه ليست خطة إغاثة، بل شكل جديد من الحصار والإبادة الجماعية والتهجير القسري، مغلَّف بورقة "العمل الإنساني"، مشددا على أن المطلوب هو السماح العاجل والفعّال بإدخال الاحتياجات المعيشية ومقومات النجاة بما يضمن حياة كريمة للسكان يستطيعون من خلالها بناء مستقبلهم على أرضهم، وهم أثبتوا على مدار التاريخ تميزهم وقدرتهم على صناعة الحياة وخدمة البشرية جمعاء.
خطة التغذية بالسعرات: "حديقة حيوانات بشرية"
الخطة التي عرضها المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف على مجلس الأمن، وتحدث عنها موقع آكسيوس، تقوم على تقديم وجبات غذائية لا تتجاوز 1750 سعرة حرارية للفرد، يتم توزيعها عبر ثلاث محطات مركزية في قطاع غزة، في نظام أقرب ما يكون إلى ما سماه الكاتب رياض حلس بـ"حديقة حيوانات بشرية"، حيث يتم تحديد كميات الغذاء وفق استهلاك الجسم تحت إشراف أطباء تغذية غربيين، دون أي اعتبار للفروق الصحية والجسمانية بين الأفراد.
ورغم محاولة واشنطن و(إسرائيل) تمرير الخطة من بوابة الأمم المتحدة، فإن المنظمة الدولية أعلنت رسميًا رفضها المشاركة فيها، بعد ما وصفته بدراسة متأنية ومشاورات موسعة، محذّرة من تبعات خطة لا تراعي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
تمهيد للتهجير القسري
بحسب تقارير متعددة، فإن هذه الآلية "الإغاثية" تخفي في طيّاتها أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، أبرزها السيطرة على تحركات السكان، وتحديد أماكن تمركزهم، وتحويلهم إلى كائنات مشروطة البقاء بقدر ما يتناولونه من غذاء، دون أي دور للمؤسسات الفلسطينية.
ويتم تنفيذ هذه الخطة من قبل عسكريين أمريكيين سابقين ومنظمات تعمل تحت رقابة مشددة، وبجدول توزيع صارم يهدف إلى تكريس التبعية والسيطرة، وليس الإغاثة أو الاستجابة الطارئة.
غضب دولي ورفض شعبي
ردود الفعل على هذه الخطة لم تتأخر، إذ شنّ سفراء عدة دول حملة انتقادات واسعة ضدها في الأمم المتحدة، مطالبين بفتح المعابر فورًا أمام تدفق المساعدات دون قيود، بدلاً من إدخال القطاع في دائرة تجويع منظّمة.
وفي سياق متصل، وجّهت 108 شبكات حقوقية عربية عريضة إلى مجلس الأمن تطالب بوقف الإبادة الجماعية ورفع الحصار عن غزة فورًا، مؤكدة أن ما يحدث يشكل عقوبة جماعية محظورة دوليًا، ويجب وقفها بشكل عاجل.
وجاء في العريضة أن قطاع غزة يشهد انهيارًا شبه تام للخدمات الأساسية، حيث توقفت محطات الصرف الصحي، وتعطّلت المستشفيات، وشحّ الوقود والغذاء، وسط تدهور صحي خطير، خاصة مع وجود أكثر من 92% من الأطفال والأمهات المرضعات دون غذاء كافٍ، وفق تقارير الأمم المتحدة.
تجويع سياسي.. لا مساعدات إنسانية
المؤشرات تؤكد أن هذه ليست خطة إغاثة، بل شكل جديد من الحرب الهادئة التي تُمارس على الفلسطينيين؛ حرب تسعى إلى كسر إرادتهم عبر الجوع والحرمان، وتحويل المساعدات من حق إنساني إلى أداة خضوع سياسي.
وفي هذا السياق، قال مراقبون إن الخطة تسعى لتكريس مشهد: "شعب يعتمد على شاحنة طعام مرة أسبوعيًا، وتحت رقابة أمنية مشددة، ودون أي أفق لحياة طبيعية أو بناء اقتصادي أو استقلالية إنسانية". إنها طريقة ممنهجة لإرغام الناس على ترك بيوتهم طوعًا، بعد أن تفقد الحياة كل مقوماتها في ظل الحصار والتجويع.
الشعب الفلسطيني يطالب بحقه.. لا بفتات مذلّ
ما تطالب به غزة ليس "علبة طعام منقوصة السعرات"، بل حرية كاملة وكرامة إنسانية واستقلالية في القرار، وفتح المعابر أمام الإغاثة دون قيد أو شرط، كما تقرّه المواثيق الدولية.
فالفلسطينيون في غزة ليسوا مشاريع شفقة، بل أصحاب حق، ومن حقهم أن يعيشوا حياة كريمة فوق أرضهم، لا أن يُحوَّلوا إلى بطون تائهة بانتظار وجبة أمريكية محسوبة بالجهاز الحراري، وموزعة عبر خطة عسكرية.
هذه الخطة التي توصف بـ"الإنسانية" ليست إلا واجهة لماكينة الاحتلال، التي تريد أن تطحن ما تبقى من صمود الشعب الفلسطيني. لكن، كما أثبتت تجارب الماضي، فإن غزة لا تنكسر بسهولة، بل تحوّل الخبز إلى مقاومة، والجوع إلى صرخة حرية.