غزة بين الحصار والإعمار.. كيف تدار المساعدات كأداة سياسية بعد الحرب

غزة بين الحصار والإعمار.. كيف تدار المساعدات كأداة سياسية بعد الحرب
غزة بين الحصار والإعمار.. كيف تدار المساعدات كأداة سياسية بعد الحرب

الرسالة نت- خاص

لم يعد ملف المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار قطاع غزة ملفا تقنيا أو إغاثيا محايدا، بل تحوّل إلى أحد أبرز ساحات الصراع السياسي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب. فالمساعدات لم تقدّم باعتبارها استجابة لاحتياجات إنسانية ملحة، بل أعيد تنظيمها ضمن ترتيبات أوسع لإدارة الواقع الفلسطيني بعد العدوان، بما يخدم موازين القوة ويكرس واقع السيطرة والتحكم.

وتكشف التصريحات الرسمية، خصوصا الصادرة عن مسؤولين أمريكيين، عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني. ففي الوقت الذي جرى فيه الترويج لدخول مئات الشاحنات يوميا إلى غزة، تؤكد البيانات الصادرة عن الجهات الحكومية في القطاع أن هذه الأرقام مضللة ولا تعكس حجم المساعدات الحقيقي، ما يشير إلى معركة مفتوحة حول الرواية، لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض.

أما الحديث عن إعادة الإعمار، فيجري تداوله بمعزل عن شروطه السياسية الفعلية، وعلى رأسها تحكم الاحتلال الكامل بالمعابر، وبطبيعة المواد المسموح بدخولها، وبوتيرة التنفيذ. "وهو ما يجعل الإعمار، في ظل هذه المعادلة، أداة ضمن مشروع "إدارة ما بعد الحرب"، لا مسارا حقيقيا لاستعادة الحياة في قطاع دمّرته حرب إبادة شاملة.

المساعدات كأداة سياسية

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، بشأن دخول 600 شاحنة مساعدات يوميا إلى القطاع "مضللة" ولا تعكس الواقع الميداني.

وأكد المكتب الحكومي أن المتوسط الفعلي منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي لا يتجاوز 234 شاحنة يوميا.

وتكمن خطورة هذه التصريحات في أنها لا تقتصر على تقديم أرقام غير دقيقة، بل تؤدي وظيفة سياسية واضحة، تتمثل في تبرئة الاحتلال من جريمة الحصار والتجويع، وإعادة تسويق المشهد الإنساني بوصفه تحت السيطرة، "وهو ما يندرج ضمن مفهوم اقتصاد الإغاثة، حيث تدار المساعدات وفق حسابات سياسية وأمنية، لا وفق معايير الاحتياج الإنساني".

وبحسب معطيات المكتب الحكومي، دخل إلى غزة خلال 62 يوما من وقف إطلاق النار 14534 شاحنة فقط، من أصل 37200 كان يفترض دخولها وفق بنود الاتفاق، بنسبة التزام لا تتجاوز 39%.

هذه الأرقام تؤكد أن سياسة تقليص المساعدات ليست استثناءً، بل نهجا ممنهجا يهدف إلى إبقاء القطاع عند حافة المجاعة والانهيار.

ولا يقتصر التحكم الإسرائيلي على عدد الشاحنات، بل يمتد إلى طبيعة البضائع المسموح بإدخالها. "إذ تسمح سلطات الاحتلال بدخول سلع منخفضة القيمة الغذائية، في حين تمنع عشرات الأصناف الحيوية بما في ذلك مواد غذائية أساسية ومستلزمات طبية وقطع غيار ومواد طوارئ دون أي مبرر قانوني أو إنساني".

ويشكّل هذا السلوك انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني، وللالتزامات الواردة في اتفاق وقف إطلاق النار، ويعكس سياسة خنق اقتصادي تستهدف البنية المجتمعية للقطاع، لا مجرد تقييد ظرفي. "فحتى بعد توقف العمليات العسكرية، لم يشهد الواقع المعيشي في غزة تحسنا ملموسا، نتيجة استمرار القيود المشددة على إدخال المساعدات".

ويعيد هذا الواقع إنتاج الحصار بأدوات ناعمة، حيث يستبدل المنع الكامل بالإدخال المشروط، ويستبدل التجويع المباشر بإدارة نقص مزمن، يفرض على السكان نمط عيش هشا وغير قابل للاستدامة.

خصخصة المساعدات

في موازاة ذلك، يبرز تراجع واضح لدور الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية الدولية، مقابل صعود نماذج بديلة لإدارة المساعدات، تقوم على خصخصة الإغاثة وإخضاعها لجهات مانحة وشركات وتنظيمات تعمل خارج الأطر الأممية التقليدية.

ولا يمكن فصل هذا التهميش عن كونه خيارا سياسيا مقصودا، يهدف إلى تجاوز المرجعيات الدولية التي تفرض التزامات قانونية، واستبدالها بترتيبات مرنة تخضع لشروط المانحين والاحتلال. وهو ما يحوّل المساعدات من حق إنساني إلى امتياز مشروط ومن التزام دولي إلى أداة ضغط.

كما يتقاطع هذا المسار مع محاولات فرض نموذج "إدارة ما بعد الحرب"، حيث تُربط المساعدات والإعمار بشروط أمنية وسياسية، تقدّم على أنها متطلبات الاستقرار، بينما تؤدي عمليا إلى إعادة إنتاج السيطرة ومنع أي تعافٍ حقيقي.

وخلّفت الحرب على غزة، التي بدأت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 واستمرت لعامين، أكثر من 70 ألف قتيل، وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى دمار هائل في البنية التحتية، وقدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار.

وفي ظل هذا الواقع، يبدو ملف المساعدات والإعمار أقرب إلى أداة لإدارة الأزمة، لا لحلها، وإلى وسيلة لإعادة ضبط غزة ضمن معادلات ما بعد الحرب، لا لإعادة بناء مجتمع تعرض لإبادة جماعية. وهو ما يفرض إعادة تعريف هذا الملف بوصفه قضية سياسية اقتصادية بامتياز، لا مجرد شأن إنساني معزول عن جذوره وأسبابه.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير