الخطة الأمريكية.. كواليس التنفيذ وتداعياتها الخطيرة

الرسالة نت- محمود هنية

شدّدت هيئات وشخصيات نشطة في المجال الإنساني والإغاثي؛ على رفضها للخطة الامريكية لإدارة عملية التجويع بغزة؛ والتي تقضي بتهجير سكان القطاع لجنوب قطاع غزة؛ وتشرعن استبدال دور المنظمات الإنسانية بأخرى تعمل على عسكرة المساعدات؛ وتحويلها لسلاح ضد الشعب الفلسطيني.

جاء ذلك في ندوة إلكترونية نظمتها شبكة الجاليات الامريكية في واشنطن وهيئة حشد للدفاع عن الشعب الفلسطيني ومركز الدراسات السياسية والتنموية؛ مساء الأربعاء؛ حول "أبعاد وتداعيات الخطة الأمريكية للمساعدات في غزة"؛ بمشاركة نخب فكرية وسياسية في الداخل والخارج.

وكشف المستشار الإعلامي لهيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، عدنان أبو حسنة، عن استمرار المحاولات الإسرائيلية لاستبدال المنظمة الدولية بأجسام محلية، مؤكدًا رفض المنظمات الأممية القاطع لهذه الخطط، بما فيها المقترح الأمريكي الأخير الذي يهدف إلى إدارة عمليات الإغاثة في غزة عبر مؤسسات بديلة.   

أوضح أبو حسنة أن إسرائيل تسعى منذ فترة لاستبدال "الأونروا" عبر إنشاء قطاعات محلية ومخاتير، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، مشيرًا إلى أن المنظمة تضم 13 ألف موظف ومئات المؤسسات وآلاف المتعاقدين، مما يجعل استبدالها أمرًا معقدًا. 

وأضاف: "إسرائيل راهنت على قبول منظمات أممية أخرى بخطتها، لكنها واجهت رفضًا قاطعًا، كما فشلت كل المحاولات المحلية لتحقيق هذا الهدف". 

كشف أبو حسنة عن تفاصيل مقترح أمريكي قدم قبل ثلاثة أشهر، مكون من 30 ورقة، تهدف إلى إنشاء "مؤسسة غزة" لتوزيع المساعدات وفق اشتراطات جغرافية وأمنية صارمة. 

وتشمل الخطة إنشاء 4 نقاط رئيسية في جنوب غزة، تخدم كل منها 300 ألف فلسطيني في المرحلة الأولى، ثم يتم التوسع ليشمل المليون المتبقين. إلا أن الشروط الأمنية تفرض فحصًا أمنيًا على كل شخص يرغب في الحصول على وجبة غذائية، والتي يُتوقع أن تحتوي على 1400 سعرة حرارية فقط. 

وأشار إلى أن الخطة تتضمن تأمين العاملين والمكان عبر شركات أمنية، لكنها تتجاهل تمامًا تأمين المستفيدين الذين سيضطرون للتنقل في ظروف خطرة للحصول على المساعدات. 

وأكد أبو حسنة أن موقف المنظمات الدولية، بما فيها "الأونروا" وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية واليونيسيف، كان موحدًا في رفض الخطة، سواء في اجتماعات مجلس الأمن أو الأمم المتحدة. 

وأوضح أن سبب الرفض يعود إلى اعتقاد المجتمع الدولي بأن الهدف الحقيقي للخطة هو تهجير سكان غزة إلى منطقة رفح، التي تبلغ مساحتها 50 كم²، مما سيخلق أزمة إنسانية جديدة. 

وحذر من أن تنفيذ هذه الخطة سيشكل سابقة خطيرة تتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، قائلاً: "لا يمكن للأمم المتحدة أن تكون شريكًا في مشروع يفرض التمييز في توزيع الغذاء والرعاية الصحية بناءً على الموقع الجغرافي". 

وكشف أبو حسنة عن تدهور الوضع الإنساني في غزة، حيث يعاني مئات الآلاف من الجوع، وقال: "في الأسبوع الأخير فقط، عالجنا 95 ألف فلسطيني بسبب انهيار المناعة الناتج عن سوء التغذية". 

وأكد أن الأمم المتحدة لن تتراجع عن موقفها الرافض للمقترح الأمريكي، الذي يتناقض مع قيمها ومعاييرها، خشية أن يشكل سابقة تسمح لدول أخرى باتباع نفس النهج في الأزمات. 

 الفقاعات الإنسانية

 من جانبه؛ حذر أمجد الشوا، رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، من المخطط الإسرائيلي الأمريكي المسمى "الفقاعات الإنسانية"، معتبراً أنه "يتناقض مع القانون الدولي ويهدف إلى عسكرة المساعدات واستغلالها أمنياً". 

وأكد الشوا أن هذا المخطط قد تم طرحه سابقاً في نوفمبر الماضي وتم رفضه من قبل الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن الخطة المعدلة حالياً "ستدار عبر منظمات دولية وشركات أمريكية، بالتنسيق مع جيش الاحتلال الذي سيتولى حراستها". 

وأوضح أن الخطة تقوم على "إحلال منظومة العمل الإنساني التقليدية بأخرى جديدة، تعتمد على معايير أمنية تمنع من لا يستوفي شروطها من الحصول على المساعدات"، لافتاً إلى أنها ستطبق عبر نظام إلكتروني للتشخيص بالوجه، ثم توجيه السكان نحو رفح. 

وحذر الشوا من أن الخطة مقسمة إلى مرحلتين، تستهدف الأولى منها 50% من السكان، مما يعني "تجويع النصف الآخر وتعريضهم للتهديد والقتل"، مؤكداً عدم وجود ضمانات لحماية المدنيين من الاستهداف أو الانتهاكات. 

وأشار إلى أن موقفاً دولياً رافضاً للخطة قد ظهر عبر الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، فيما بدأ الاحتلال الإسرائيلي بالفعل بإنشاء منشآت في منطقة "موراج" وتكثيف عمليات الإخلاء والقصف في شمال غزة. 

كما انتقد الشوا محدودية المساعدات المزمعة، والتي تقتصر على "سعرات حرارية دون توفير خيام أو مستلزمات إنسانية أخرى"، مشيراً إلى أن الكميات المعلنة (100 شاحنة يومياً) لا تقارن بما كان يدخل خلال الهدنة (600 شاحنة)، وهو ما "يعمق الأزمة الإنسانية". 

وأكد أن الموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي موحد في رفض المخطط، بدءاً من الحكومة والفصائل وصولاً إلى المنظمات الأهلية والقطاع الخاص والعشائر، داعياً إلى "تحرك عاجل على جميع المستويات لفتح المعابر بالكامل ومنع تنفيذ الخطة".

وختم بالتحذير من أن "هذا المخطط غير مسبوق، وتداعياته ستكون خطيرة إذا نُفذ"، معرباً عن أمله في "تعزيز الموقف الدولي الرافض، مثل الموقف الفرنسي الداعي لمراجعة الشراكة مع إسرائيل"، مؤكداً ثقته "بصمود الشعب الفلسطيني".

 جريمة حرب

من جهته؛  دان صلاح عبد العاطي، رئيس هيئة "حشد" للدفاع عن الشعب الفلسطيني، الخطة الدولية المطروحة لتوزيع المساعدات في قطاع غزة، ووصفها بأنها "تزييف لاستخدام السلاح" و"توطئة لتهجير الفلسطينيين"، مشيرًا إلى أنها تتعارض مع القانون الدولي والإنساني. 

وأكد عبد العاطي في تصريح صحفي أن الخطة "لا تستند إلى المعايير الإنسانية"، بل تُشرعِن استمرار الحرب والتجويع، معتبرًا إياها جزءًا من سياسة إسرائيل الرامية إلى جعل غزة "بيئة غير صالحة للحياة". 

رفض عبد العاطي دور المنظمات الدولية في الخطة، ووصفها بأنها "غير متكاملة"، إذ تهمل جوانب التعليم والصحة والبنية التحتية، على عكس وكالة "الأونروا" التي تصل خدماتها إلى معظم سكان القطاع. كما وصف الادعاءات الإسرائيلية بسيطرة حركة "حماس" على المنظمات الدولية بأنها "كاذبة"، مؤكدًا أن عمل هذه المنظمات "شفاف ويُعلن عبر الإنترنت". 

حذّر عبد العاطي من أن الخطة "تعني إدارة عملية التجويع" بدلاً من تقديم حلول حقيقية، مشيرًا إلى أن إقحام شركات أمنية خاصة في توزيع المساعدات "تحايل على دور الأمم المتحدة"، ومشيرًا إلى صلة الاحتلال المباشرة بهذه الخطوة. كما هدّد بتحويل غزة إلى ساحة "للتهديد والترهيب" بسبب صعوبة التنقل وتدهور الأوضاع المعيشية. 

وصف رئيس "حشد" الخطة بأنها "جريمة حرب" تتعارض مع مبادئ محكمة العدل الدولية وميثاق روما والقانون الإنساني، مؤكدًا أنها تُستخدم لتحقيق أهداف إسرائيل في حربها على غزة. كما اتهم الولايات المتحدة بالمشاركة في "جريمة الإبادة الجماعية" عبر تنسيقها مع إسرائيل، رغم الادعاءات الأمريكية بعدم وجود تنسيق مباشر. 

دعا عبد العاطي إلى تشكيل "تحالف دولي إنساني" لإجبار العالم على فتح ممرات إغاثة عاجلة، محذرًا من وصول السكان إلى "مستوى كارثي من المجاعة". وأكد أن كل أشكال الضغط الدولي حتى الآن "غير كافية" لوقف الحرب، مطالبًا بتحرّك جبري لإنقاذ المدنيين. 

واختتم بالقول: "هذه الخطة هي هندسة جماعية للسكان وإدارة لمراحل التجويع، وليست حلًا للأزمة الإنسانية في غزة".

 تحويل لقضية سياسية!

واعتبرت الأستاذة الجامعية في أمريكا رباب عبد الهادي؛ الخطة الامريكية؛ توجها من واشنطن لتحويل القضية الفلسطينية السياسية إلى إنسانية قائمة على "الشفقة"، في محاولة لتشويه الوعي الدولي والأمريكي تجاه ما يحدث من انتهاكات في القطاع.

وأكدت عبد الهادي أن السردية الأمريكية تعمل على تحويل قضية الإبادة الجماعية إلى "إدارة مجاعة"، بهدف طمس الجانب السياسي للقضية وإبرازها كأزمة إنسانية فقط. وأشارت إلى أن "المنظور الأمريكي يحاول اختزال المعاناة الفلسطينية في صورة ضحايا يحتاجون إلى مساعدة، بدلاً من الاعتراف بحقوقهم السياسية والوطنية".
وحذّرت الأستاذة الجامعية من أن سياسة التجويع تُستخدم كأداة قمعية من قبل القوى العدوانية لإخضاع الشعوب، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة استخدمت تاريخياً مصطلح "الطعام من أجل السلام" كغطاء للتدخل في شؤون الدول. وأضافت: "هذه السياسة تمنح واشنطن وحلفاءها ذريعة للتوغل في القضايا الدولية، واليوم تُستخدم المجاعة في غزة كأداة لتحقيق أهداف الحرب".
وفي سياق متصل، لفتت عبد الهادي إلى تصاعد الحراك الشعبي والطلابي داخل الولايات المتحدة ضد السياسات الداعمة لإسرائيل، حيث يخوض العشرات من الطلاب إضرابات عن الطعام تضامناً مع غزة، ويستحضرون شهداء القطاع في فعالياتهم الاحتجاجية.

وأكدت أن الطلاب دفعوا ثمناً باهظاً لمواقفهم، بما في ذلك فقدان المنح الدراسية وفرص العمل، لكنهم ما زالوا يواصلون نضالهم، مدعومين حتى من يهود معادين للصهيونية.

كما علقت الأستاذة على التحركات السياسية الأخيرة، مثل زيارة ترامب إلى المنطقة العربية، واعتبرتها محاولة لتهدئة الأجواء الغاضبة في الداخل الأمريكي بسبب دعمه المطلق لإسرائيل.
وأشارت عبد الهادي إلى أن الإرادة الشعبية في غزة تُفشل الرواية الأمريكية التي تتحدث عن هزيمة المقاومة، بينما يثير موقف السلطة الفلسطينية إحراجاً للأنصار الأمريكيين بسبب تعاملها مع الاحتلال.
 تجميل ديكوري
وكشف الدكتور علي هويدي، رئيس المنظمة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، عن مضامين خططية ذات أهداف استراتيجية سياسية تهدف إلى إلغاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، ضمن رؤية أمريكية إسرائيلية مشتركة لاستهداف دورها في القطاع. 

وأوضح هويدي أن الخطة ترتكز على ثلاثة أهداف استراتيجية، جميعها تصب في اتجاه إنهاء خدمات الأونروا بشكل متدرج، وإحلال بدائل أخرى تخدم أجندات سياسية. كما أشار إلى أن الخطة تعمل على تعزيز التهجير من خلال تجميع السكان في منطقة رفح، وتحويل القطاع إلى ما يشبه "السجن الكبير". 

وتتضمن الخطة، وفقًا لهويدي، دخول 60 شاحنة إغاثية يوميًا، ليس بهدف تخفيف الأزمة الإنسانية، بل كمحاولة للتضييق على السكان ودفعهم نحو الهجرة القسرية، بالتنسيق مع دول أخرى. 

كما انتقد هويدي محاولات تجميل الدور الأمريكي، عبر تصويره كـ"منقذ" من المجاعة، بينما تهدف الخطة في جوهرها إلى تفكيك كيان الأونروا وخدماتها الحيوية، مما يهدد مستقبل اللاجئين الفلسطينيين. 

يأتي هذا التحذير في ظل تصاعد المخاوف من سياسات تستهدف تهجير سكان غزة، وتقويض المؤسسات الدولية الداعمة لحقوق اللاجئين.