لم تعد غزة تبحث عن حياةٍ مرفّهة، ولا عن رفاه إنساني مفقود، بل عن ما يسد الرمق لتكمل معركة الكرامة.
وفي الوقت الذي تُحاصَر فيه المدينة بجدران النار والتجويع، تُولد يوميًا ملاحم من الصمود، تُعيد تعريف الكفاح الفلسطيني في أشد أشكاله نقاءً وألمًا.
مدينة بلا طحين
بات العثور على رغيف أكثر صعوبة من الوصول إلى الماء في الصحراء.
"لامخابز... لا طحين، لا غاز، لا شيء"، يقول الشاب خليل ابو زينة النازح من حي الشجاعية، ثم يبتسم بمرارة: "لكننا ما زلنا نحلم".
لم يعد في الأسواق إلا الحصى وبعض البصل اليابس، أما الأرز والسكر والزيت، فهي أسماء من الماضي.
الأسواق تحوّلت إلى أطلال، والتكيات الخيرية التي كانت تملأ الشوارع بروح التعاون، تبخرت مع نيران القصف، وقطع الإمدادات.
في مشهد واحد، تقف امرأة عجوز وسط زحام فارغ، تسأل صاحب كشك صغير: "عندك خبز؟" فيرد: "عندي صبر".
حصار أشد من النار
الاحتلال لا يكتفي بالقصف، بل يخوض معركة تجويع ممنهجة.
المساعدات الإنسانية تُقصف، تُمنع، أو تُقيّد بشروط إذلال. مئات الشاحنات تنتظر خلف الحدود، بينما يموت الأطفال ببطء.
"وصلنا إلى مرحلة نطبخ فيها الماء بالملح"، تقول أم عمر حجاج من سكان غزة ، "نمزج الكرامة بالحزن ونأكل، لأننا لا نأكل لنعيش، بل لنقاوم".
أبطال الجوع
في غزة، لا تحتاج لأن تحمل بندقية لتكون شهيدًا أو بطلاً.
طفل يموت جوعًا في حضن أمه، أم ترضّع ابنها ماءً وسكرًا، رجل يوزع آخر رغيف يملكه، فتاة تُعلم الأطفال بذاكرتها لا بالكتب... هؤلاء هم أبطال المقاومة الجديدة: مقاومة الخبز والبقاء.
"عشرات الأطفال في غزة ارتقوا جوعًا، بعدما أنهكهم الحصار وأرهق أمهاتهم العجز، فصار كل اسمٍ منهم يهزّ وجدان المدينة كما تهزّه أسماء قادة المعارك... لأن الشهادة جوعًا لا تقل بطولة عن الشهادة في ميادين النار."
"كل من يصبر معنا شريك في المواجهة"، تقول جدة خمسينية تنام في خيمة مزقتها حرارة الشمس.
غزة لا تساوم
حاول الاحتلال أن يساوم الغزيين بين الخروج الآمن وبين الرغيف، بين رفع الراية البيضاء وبين وجبة ساخنة. فجاءه الردّ:
"نموت على ترابنا، ولا نعيش على موائد الذل".
الناشط الحقوقي صلاح عبد العاطي يقول للرسالة نت
"ما يجري في غزة ليس كارثة طبيعية، بل جريمة مُنظمة. التجويع هنا ليس عرضًا جانبيًا، بل استراتيجية حربية هدفها كسر الإنسان.
المجتمع الدولي: صمت القبور
رغم التقارير الأممية التي أكدت دخول غزة مرحلة "المجاعة الكاملة"، لا يزال العالم يتفرّج.
منظمة الغذاء العالمية تحذر، واليونيسف تبكي على شاشات التلفاز، لكن المعابر لا تُفتح، والصمت يعلو أكثر من أصوات الأطفال الذين يسألون أمهاتهم عن الخبز.
في كل وجبة ماء وملح، هناك هزيمة للمحتل. في كل أم تطهو من اللاشيء، هناك درس في الكبرياء.
في كل طفل يقاوم الجوع بالأحلام، هناك معركة تربحها غزة.
وأمام الإبادة، التجويع، ونهاية الغذاء... وُلدت من غزة أسطورة جديدة: أسطورة من لا يأكلون ليعيشوا... بل ليصمدوا وليبقوا شوكة في حلق الاحتلال.
غزة اليوم ليست فقط مدينة... بل أيقونة بشرية كُتب على جدرانها: لن نركع... ولو ماتت بطوننا.