بين الاعتقال، ومصادرة السلاح، والاغتيال، تنوّعت أدوات السلطة في الضفة الغربية المحتلة، خلال تعاملها مع المقاومة، لكنها التقت جميعًا على هدف واحد: تجفيف منابع الفعل المقاوم تحت غطاء "فرض النظام" أو "ملاحقة الخارجين عن القانون".
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمة "الإسرائيلية" على الضفة والقدس وغزة، وتُزهق أرواح عشرات الشهداء يوميًا، تواصل أجهزة السلطة عملياتها الأمنية التي تستهدف المقاومين؛ تارةً عبر ملاحقتهم واعتقالهم، وتارةً بمصادرة العبوات الناسفة المُعدّة لصدّ اقتحامات جيش الاحتلال، وتارةً أخرى بتصفية من تصفهم بـ"المطلوبين".
تأتي ممارسات السلطة في سياق سياسي يتشابك فيه الضغط الدولي، وقيود التنسيق الأمني، والتنافس الداخلي في حركة "فتح" التي تقود السلطة، مع واقع ميداني يشهد تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة العدوان "الإسرائيلي".
ورغم تزايد حالات الاجتياح والاغتيال في مدن الضفة، لم تفعّل السلطة أي خيار ميداني لدعم المقاومين أو حماية ظهرهم، بل على العكس، كثّفت من إجراءاتها الأمنية التي تصبّ في خانة تثبيت "الاستقرار" على مقاس الاحتلال.
كفى مسًّا بالمقاومة وحاضنتها!
وقال النائب في المجلس التشريعي، حسن خريشة: "إن جرائم أجهزة أمن السلطة في الضفة المحتلة ممارسات مرفوضة وطنيًا وأخلاقيًا، ولا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال".
وأضاف في حديثه لـ"الرسالة": "من يُعدم المقاومين ويلاحقهم ويعتقلهم، لن يرضى عنه الاحتلال (الإسرائيلي)، ولن يحصد امتيازات سياسية، بل سيبقى شريكًا في خدمته، عن وعي أو دون وعي".
وأوضح أنه لا يوجد فلسطيني اليوم خارج دائرة الاستهداف "الإسرائيلي" في القدس والضفة وغزة، مما يحتم علينا إعادة بناء العلاقة مع الاحتلال على قاعدة التصادم والمواجهة، لا التنسيق والمطاردة.
وطالب بتوحيد الجهود الوطنية، والتوقف الفوري عن ملاحقة المقاومين أو المساس بالحاضنة الشعبية للمقاومة، قائلًا: "أي ممارسات تستهدف المقاومين أو عائلاتهم لن تخدم سوى الاحتلال، وستُضعف مناعة شعبنا في مواجهة المشروع الصهيوني".
وقد أظهرت الوقائع الميدانية أن كثيرًا من العمليات التي نفذتها أجهزة السلطة، من مصادرة عبوات ناسفة جاهزة أو تفكيك خلايا مقاومة، تمّت بعيدًا عن أي تهديد داخلي حقيقي للأمن المجتمعي، وإنما في توقيت حساس يعكس أولويات تتقاطع مع المصالح الأمنية للاحتلال.
السلطة تتفاخر بالسيطرة الأمنية!
وفي تصرّف غريب يؤكد الدور غير الوطني للسلطة في محاولاتها القضاء على المقاومة وفقًا لتعليمات الاحتلال، تفاخر المتحدث باسم أجهزة السلطة، أنور رجب، بسيطرة عناصر السلطة على ورشة لتصنيع العبوات الناسفة التي تستخدمها المقاومة للتصدي لجيش الاحتلال.
وقال رجب في تصريحات صحفية: "قوى الأمن الفلسطيني، وبمشاركة وحدة الهندسة في جهاز الشرطة، قامت بتنفيذ نشاط استهدف السيطرة على ورشة لتصنيع العبوات المتفجرة في الحي الشرقي لمدينة جنين".
يأتي ذلك في ظل استمرار العملية العسكرية لجيش الاحتلال في مدينة جنين ومخيمها لليوم الـ121 على التوالي، وسط تدمير وتهجير للسكان.
ولا يكاد يمر يوم دون أن تقوم أجهزة أمن السلطة بمصادرة عتاد أو عبوات ناسفة يزرعها المقاومون في طرقات ومداخل المدن والقرى في الضفة، وخاصة بعد تصاعد وتيرة الاجتياحات مؤخرًا.
وتقوم السلطة بإتلاف هذه العبوات وتفجيرها بعد مصادرتها، ما يعني توفير حماية مباشرة للاحتلال من الفعل المقاوم المتصاعد، لا سيما بعد عملية "طوفان الأقصى"، وذلك بالتزامن مع حملات اعتقال وملاحقة مكثفة للمقاومين.
السلطة تتجند لتعزيز الاحتلال!
بدورها، انتقدت الكاتبة والمحللة السياسية لمى خاطر ما وصفته بـ"حالة العجز والتواطؤ" التي تظهرها السلطة في تعاملها مع المقاومة، معتبرةً ذلك خدمة مجانية للاحتلال.
ورأت خاطر في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أن ملاحقة المقاومين من قبل أجهزة الأمن، في وقت يواصل فيه الاحتلال عدوانه الواسع على الضفة والقدس وغزة، تُعدّ مشاركة مباشرة في وأد المقاومة، ومحاولة لضمان هدوء أمني يخدم الاحتلال دون أي مقابل سياسي أو وطني.
وأضافت: "سلوك السلطة لا يعكس فقط خضوعًا للإملاءات الأمنية، بل أيضًا قطيعة مع المزاج الشعبي الفلسطيني، الذي بات يرى في المقاومة خيارًا وجوديًا، لا تكتيكًا عابرًا".
هذه الممارسات التي تصرّ السلطة على تنفيذها، تطرح تساؤلات جدية حول وظيفة التنسيق الأمني في هذه المرحلة، ومدى تورّط السلطة في تقويض الفعل المقاوم خدمةً لمصالح الاحتلال، في لحظة تاريخية تتطلب وحدة وطنية وموقفًا جامعًا أمام العدوان المتصاعد.