في قلب الظلام الذي يلف مأساة غزة، حيث يُزهق آلاف الأرواح يوميًا، ينهض صوت الحقيقة من حيث لا يتوقعه البعض؛ من بين صفوف الشباب في الجامعات، من ساحات الاحتجاجات في أوروبا وأمريكا، ومن المكاتب القانونية التي تصر على ملاحقة المجرمين مهما طال الزمن. قبل أن تحرك الحكومات ساكنها، كانت الجامعات ومجتمعات الطلاب في الغرب تلهب الشوارع، تطالب بإنهاء الحصار وإيقاف المجازر، وتحميل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية جرائمه ضد الإنسانية.
طلاب الجامعات الأوروبية والأمريكية كانوا السبّاقين في كسر حاجز الصمت الدولي، نظموا مظاهرات واعتصامات ضخمة في مدن مثل باريس وبرلين ونيويورك، رفعوا خلالها شعارات تضامنية مع غزة، ودعوا إلى محاسبة إسرائيل على حصارها الوحشي، على القصف العشوائي الذي قتل آلاف الأطفال والنساء.
لم تكن هذه الاحتجاجات عرضًا عابرًا، بل حملة متواصلة أثرت بشكل كبير على الرأي العام في الغرب، وأجبرت بعض الحكومات على إعادة النظر في مواقفها التقليدية.
في أوروبا، برز موقف إسبانيا كصرخة حقيقية للضمير، حيث أبرزت صحيفة "الباييس" مأساة غزة، وحثت على مراجعة اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية التي تحكم العلاقات منذ عام 2000.
رئيسة الدبلوماسية الأوروبية، كايا كالاس، لم تكن بعيدة عن نبض الشارع، حيث أكدت أن "إسرائيل يجب أن ترفع الحصار عن المساعدات الإنسانية، وإنقاذ الأرواح يجب أن يكون في صدارة الأولويات". هذه الكلمات جاءت في أعقاب اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل، وسط دعم 17 دولة، رغم معارضة دول أخرى مثل ألمانيا وإيطاليا والمجر التي تخشى خسارة قنوات الحوار مع إسرائيل.
وفي الجانب الأمريكي، لم يكن الأمر مختلفًا. رغم موقف الحكومة الأمريكية الداعم لإسرائيل منذ بداية الإبادة، لكن الشعوب لها رأي آخر، ولم يكن فقط الرأي العام، بل حتى أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بدأوا يطالبون بمراجعة الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل.
فقد دعا عدد من أعضاء مجلس الشيوخ إلى فرض رقابة أشد على المساعدات العسكرية، وأكدوا ضرورة وقف العنف وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين المحاصرين في غزة.
هذه الدعوات لم تكن مجرد كلمات، بل جاءت في سياق ضغط شعبي متزايد من قبل الطلاب والمنظمات الحقوقية التي طالبت بإعادة النظر في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، خاصة في ظل ارتفاع عدد القتلى المدنيين.
واليوم في كندا، حيث المجتمع المدني والطلاب استمروا في الضغط على حكومتهم، مع ازدياد وتيرة الإبادة ووصولها إلى درجة لا يتحملها عقل، بدأت سياسة الحكومة الكندية تتغير.
فقد أعلنت الشرطة الفيدرالية فتح تحقيق رسمي في جرائم ارتكبها جنود يحملون الجنسية الإسرائيلية-الكندية خلال العدوان على غزة. وهو تحقيق تاريخي يمثل التزام كندا بمبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح محاكمة من تثبت إدانتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مهما كان مكان ارتكابها.
وإن كان الجميع يجزم بأن الحقوق ليست واحدة في كل مكان على وجه هذه الأرض، وبأنها حينما تصدم بالمصالح، تتغير وتتلوى وتحمل الكثير من المعاني والوجوه، إلا أن الارادة الشعبية لا يمكن تجاهلها، وهذا التحقيق جاء نتيجة ضغوط مستمرة من منظمات حقوق الإنسان وطلاب الجامعات الذين اعتبروا أن العدالة لا بد أن تتحقق، وأن لا أحد فوق القانون.
هذه الخطوات من إسبانيا وكندا، مع الدعم والتأييد الذي حظيت به حركة الاحتجاج الطلابية الأوروبية والأمريكية، تشكل بارقة أمل في زمن غابت فيه الكثير من الأصوات. فهي تؤكد أن ضمير الشعوب الحرة ما زال ينبض، وأن إرادة العدالة والإنسانية لا يمكن قمعها حتى وإن حاولت قوى الاحتلال حجب الحقيقة أو إسكاتها.
لقد أثبتت الجامعات والطلاب أنهم صمام الأمان الأخلاقي في المجتمعات الغربية، فهم الذين رفعوا راية التضامن، وحققوا تأثيرًا ملموسًا على الحكومات، مما دفع إسبانيا لإعلان مراجعة الاتفاقيات، ودفع المملكة المتحدة لتعليق مفاوضات التجارة الحرة مع إسرائيل. كما أثار هذا الحراك الشعبي تفاعل مجلس الشيوخ الأمريكي الذي بدأ يعيد تقييم الموقف الرسمي، مع استمرار التحقيقات القانونية في كندا.
في النهاية، تبقى غزة وشعبها في قلب هذه الموجة من التضامن، وهي التي دفعت الثمن الأكبر والأعظم، الذي غير وجه العالم، وجعله يبحث عن الحقيقة من مصدرها حيث تنادي الأصوات الحرة عبر القارات، مدركة أن الوقوف مع الإنسانية ليس خيارًا بل واجب، وأن العدالة ستنتصر مهما طال الزمن، لأن صوت الحق لا يموت، بل يزداد قوة كلما حاول الظلم كتمانه.