في منطقة الزنة شرق مدينة خانيونس جنوب القطاع، وبقلب منطقة يُفترض أنها "آمنة" وتحت سيطرة كاملة لجيش الاحتلال منذ أكثر من عام ونصف جواً وبراً، نجحت كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة "حماس"، في تنفيذ كمين نوعي مركّب ضد قوة (إسرائيلية) محصنة داخل آلياتها العسكرية.
هذا الكمين النوعي، الذي يُعد من أكثر العمليات دقة وجرأة في المنطقة التي تخضع لمراقبة مستمرة وكثافة نارية عالية، يؤكد من جديد أن المقاومة لا تزال تمتلك المبادرة وتتحرك بثقة تحت أقسى ظروف النار والحصار.
فالكمين بدأ حين وقعت ناقلتا جند تابعتان لجيش الاحتلال في فخ مُحكم، بعد أن خرج مقاتلو القسام من نفق، وجرى نصب عبوات "الشواظ" المخصصة لتدمير الآليات، ما ألحق إصابات مباشرة في ناقلتي الجند.
تبعه استهداف مباشر بقاذف مضاد للدروع من نوع ياسين "105"، قبل أن يتقدم مجاهدو القسام إلى نقطة الصفر، ويشتبكوا مع الآليات، ويحاولوا فتح أبواب ناقلتي الجند، قبل أن تفر الآليات من مسرح الكمين، تجرّ خيبتها وفشلها في التصدي لمقاتلي القسام.
وأظهرت المشاهد عمليات تخطيط قام بها مقاتلو القسام لاستهداف رتل إمدادات لقوات الاحتلال في منطقة الزنة شرق خانيونس، تضمنت تحديد أماكن وضع العبوات لقوات الاحتلال، ومراحل الإطباق عليهم والاشتباك معهم في مسرح الكمين، إذ أسفر الكمين عن مقتل ضابطين من الاحتلال وإصابة اثنين آخرين بجراح بالغة، وفق ما اعترف به العدو الغاصب.
**كمائن الديناميكية!
رامي أبو زبيدة، باحث في الشأن العسكري والأمني، يرى أن العملية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعتمد على معلومات استخبارية ميدانية دقيقة حول مسار التحرك الآلي لجيش الاحتلال، حيث جرى اختيار نقطة الكمين شرق خان يونس، ما يعكس فهماً تكتيكياً للطبيعة الجغرافية للمنطقة، بما يتيح لعناصر المقاومة إمكانية الانقضاض والانسحاب بمرونة.
ويشير الباحث أبو زبيدة في حديث لـ"الرسالة" إلى أن الاشتباك على بُعد قريب جدًا من جيش الاحتلال المتمركز في المكان يُعد من أكثر أشكال القتال جرأة وخطورة، ولا يُنفذ إلا عندما يكون المقاتل قد سيطر على الأرض فعليًا.
ويؤكد أن هذا الأسلوب يدل على حالة انهيار جزئي أو ارتباك في صفوف قوة جيش الاحتلال المهاجمة، وعدم وجود تغطية نارية كافية تحمي الجنود المتقدمين.
ويلفت إلى أن المشاهد التي تُظهر مطاردة عناصر القسام لآليات الجيش (الإسرائيلي) التي فرت من مكان الاشتباك، تدل على أن القوة دخلت في حالة انسحاب اضطراري وغير منظم، خاصة أن الآليات، رغم تسليحها وتدريعها، لا تستطيع المواجهة في بيئة الكمائن القريبة، خاصة عندما لا تكون مهيأة للاشتباك داخل مناطق ضيقة.
ويشدد الباحث أبو زبيدة على أن نتائج هذا الكمين شكّلت ضربة معنوية شديدة لجيش الاحتلال، خاصة أن مقتل ضابط يرفع من التكلفة القيادية، كذلك يزيد من التأثير الإعلامي والنفسي، ويعزز من صورة المقاومة كقوة ميدانية محترفة لا مجرد ردود فعل.
ويتابع: "تُعيد هذه العملية الاعتبار لـتكتيك الكمائن الديناميكية، وهو ما يشير إلى الأداء الميداني المميز للقســام، واعتماده على حرب العصابات الحضرية المتقدمة وليس فقط الدفاع الثابت".
وختم الباحث في الشأن العسكري والأمني حديثه لـ"الرسالة" بأن كمين الزنة يشكّل نموذجًا كلاسيكيًا للتفوق المعنوي والتكتيكي في معركة الإرادات، فيها يتحول المقاتل الفلسطيني من موقع الدفاع إلى الهجوم المباغت، ويُجبر الآلة العسكرية (الإسرائيلية) على التقهقر تحت وقع المفاجأة والمهارة القتالية.
لا يزال جيش الاحتلال يتلقى الضربات المتتالية على يد المقاومة في غزة، لتكشف هشاشة الرواية (الإسرائيلية)، وتُظهر أن السيطرة البرية لا تزال مجرد وهم دعائي تُروج له، وذلك على الرغم من الترويج المكثف لعملية "عربات جدعون"، التي اصطدمت بضربات المقاومة النوعية.
إذ تستخدم المقاومة في غزة تكتيكات عسكرية متقدمة تشمل تفخيخ المنازل والأنفاق، واستدراج نخب جيش الاحتلال إلى كمائن محكمة، ما يدلل على امتلاكها بنية عسكرية قادرة على التكيّف وشن هجوم مضاد ضد جيش الاحتلال.
**صفعة استخباراتية ومعنوية للاحتلال!
اللواء فايز الدويري، الخبير العسكري والاستراتيجي، يرى أن الكمين الذي نفذته كتائب القسام ضد ناقلات جند جيش الاحتلال في منطقة الزنة شرق خانيونس، يمثل عملية مركّبة دقيقة من ثلاث مراحل، خططت لها المقاومة باحترافية واستنادًا إلى قراءة ميدانية معمقة لتحركات العدو وتوقيت عملياته.
ويوضح الدويري خلال فقرة التحليل العسكري على قناة الجزيرة الفضائية أن الكمين بدأ بـالمرحلة الأولى، والتي تمثلت في تفجير عبوات "شواظ"، ثم أعقب ذلك استهداف بقاذف مضاد للدروع، ما ألحق الضرر بالآليات.
ويشير إلى أن المرحلة الثانية هي الاشتباك القريب مع الجنود والآليات، حيث تقدم المقاومون واشتبكوا مع الجنود مباشرة، في قتال وجاهي على بعد أمتار قليلة من الآليات، في تحدٍّ نادر بالنظر إلى الكثافة النارية (الإسرائيلية)، والوجود الجوي لطائرات الاستطلاع والمقاتلات.
ويلفت اللواء الدويري إلى أنه في المرحلة الثالثة، نصبت المقاومة حقل ألغام في مكان الاشتباك من أجل استهداف قوة النجدة، ما يشير إلى خطة استباقية وتقدير دقيق لرد فعل الاحتلال، وجاهزية تامة لتحويل موقع الاشتباك إلى مصيدة مزدوجة.
ويشير إلى أن هذا الكمين نوعي واستثنائي، خاصة أنه وقع في منطقة يصنّفها جيش الاحتلال "آمنة" بالكامل، إذ تخضع لسيطرة (إسرائيلية) جوًا وبرًا، وتقع على مقربة من السياج الفاصل، ما يعكس أن المقاومة لا تزال تحتفظ بقدرات عالية على الحركة والمباغتة، حتى داخل خطوط التماس المكشوفة.
ويؤكد اللواء الدويري أن الكمين يحمل رسائل عملياتية واستراتيجية، وهي أنه لا توجد منطقة آمنة في قطاع غزة أمام المقاومة، وأن عنصر المفاجأة والاشتباك القريب ما زال ممكنًا ومُرجّحًا، رغم التفوق التقني للجيش (الإسرائيلي)، إضافة إلى أن المقاومة تخطط بصبر ودقة وتوقيت حاسم، ما يُبطل فعالية أي اختراق ميداني بدون تكلفة.
ويختم الخبير العسكري والاستراتيجي حديثه قائلًا: "ما رأيناه في كمين القسام يعبّر عن عقل عسكري ميداني متقدم، ومقاتلين قادرين على الاشتباك في ظروف بالغة الصعوبة.. هذا الكمين ليس فقط نصرًا ميدانيًا، بل صفعة استخباراتية ومعنوية للجيش الإسرائيلي".
وبينما يحاول الاحتلال ترميم صورته المهشّمة، تتولى كتائب القسام والمقاومة في غزة مهمة استنزافه على الأرض، ضاربةً بتكتيكها النوعي عمق المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية)، ومُعرّيةً إخفاقاتها المتكررة، رغم ما تدّعيه من تفوق استخباراتي وتكنولوجي.