كانت والدة الشهيد الصحفي مؤمن أبو العوف تجلس في زاوية الغرفة، وملامحها تحمل مزيجًا من الفخر والحزن. صوتها هادئ لكنه يحمل ثقل العالم، تقول: "في ذلك الصباح، كان مؤمن مختلفًا. قال لي إنه يوم إجازة، يوم سيقضيه معي. جلسنا نتحدث، نضحك، وكأن قلبه كان يعلم أن الوقت محدود. فجأة، قال إنه سيخرج لنصف ساعة فقط. حاولت أن أثنيه، لكنه أصر، كما لو كان على موعد مع قدره."
وتتابع قائلة "بعد نصف ساعة فقط، اتصل صديقه ليخبرني أن مؤمن استُشهد. في تلك اللحظة، شعرت بأن قلبي توقف، لكنني لم أبكِ. فكرت: مؤمن لم يمت، بل ارتقى. ابني كان بطلًا، عدسته كانت سلاحه وكلماته كانت مدافعه."
كلما تتذكر والدته صوته وضحكته، تشعر بالفخر. لم يكن مؤمن مجرد ابن، كان شعلة أمل، وكان يعلم أن رسالته أهم من حياته. كانت دائمًا تراه قويًا، واليوم تراه أقوى إذ استُشهد وهو يحمي الحقيقة وينقل معاناة شعبه.
وفي رسالة لها قالت والدته للجميع: "استشهاد مؤمن ليس نهاية رحلته بل هو بداية، وميراثه سيبقى في كل صورة وكل كلمة كتبها".
ثم توقفت قليلًا، رفعت عينيها نحو السماء، وقالت بصوت خافت ولكنه ممتلئ بالثبات: "مؤمن لم يغادرنا، هو هنا... في كل نبض من نبضات هذا الوطن".
مؤمن محمد أبو العوف، صحافي ومصور فلسطيني يبلغ من العمر 19 عامًا، ارتقى أثناء تأديته واجبه بالتوازي مع مهمات إنقاذ إنسانية مع فريق الخدمات الطبية في مدينة غزة.
أثناء تغطيته لهجوم استهدف طاقم إسعاف في حيّ التفاح شرق المدينة، استهدفته طائرة (إسرائيلية) بشكل مباشر، ليُستشهد مع ثلاثة مسعفين هم حسين محيسن وبراء عفانة ووائل العطار.
ارتفع عدد الصحافيين الشهداء منذ بداية حرب الإبادة الجماعية على غزة إلى 227 صحفيا وصحفية، باستشهاد مؤمن وأقرانه العاملين في ميدان الإعلام. العمل الإعلامي لدى مؤمن لم يكن مجرد نقل للأحداث، بل توثيق لوجع وآلام شعبه، وهو الذي كان يقف إلى جانب المسعفين يوثق لحظات إنقاذ الجرحى قبل أن تُفاجئه قذيفة لتحصد حياته بحضور مباشر داخل “ساحة الإنسانية” التي كان يُغطّيها.
حبّ مؤمن للصحافة دفعه لأن يرتدي زيًا تحت شعلة الحروب، لكنه فقد حياته بجانب فريق إنقاذ متحمّس يخرجان معًا بين المنازل المهدمة والدفاتر المجهولة. قُتل وهو ينقل نبض الحياة داخل غزة، ببساطته في عمر 19 عامًا كانت عدسته تنبض بألوان الحاضر الغزّي، وبقلمه كان يحاول رسم الأمل من تحت الركام.
مكانته الحسّاسة كشاهد حيّ تُعبّر عنه صرخات أهل غزة الداعية “علينا أن نوقّف قتل الصحفيين”، والبيانات الرسمية التي أصدرها المكتب الإعلامي الحكومي والمؤسسات التي تعنى بقضايا الصحافيين، والمراجع الدولية، جميعها ارتفعت مطالبها بحماية العاملين في الإعلام، مؤكدين أن استهدافهم "جريمة ممنهجة".
في رسالة صامتة، يُذكّر رحيل مؤمن بأن الإعلاميين في هذا المسرح الدامي ليسوا مجرد مراسلين، بل بشر يحملون آمالا قد تُفاجأ بالرصاص في لحظة توثيق. قصته هي قصة عشرات الأرواح المتوقفة فجأة، لكنها رسالة للعالم بحماية أولئك الذين لا يعرفون الاستسلام مهما كانت الظلمات: “أوقفوا قتل الصحفيين… إنهم طلاب حياة، ليسوا أهدافاً”.