كانت جود زعرب النازحة في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة تنتظر الأمومة كمن ينتظر الغيث بعد سنوات قحط. خمس سنوات مضت وهي ترفع يديها بالدعاء في كل صلاة، حتى استجاب الله أخيرًا وأكرمها بتوأمين، زين وحسن، اللذين جاءا إلى هذا العالم تحت نيران حرب طاحنة.
أنجبت جود طفليها وسط حصار جعل من الحياة نضالًا مستمرًا من أجل البقاء. لم يكن حليبها كافيًا لإرضاعهما بسبب سوء التغذية الذي أصابها، وحين بحثت عن حليب صناعي، وجدت أن الاحتلال (الإسرائيلي) قد حاصر حتى أفواه الأطفال ومنع عنهم الغذاء. كان الحليب الصناعي شحيحًا ومكلفًا، لا تستطيع أسرتها الصغيرة تحمل شرائه.
اضطرت جود وزوجها أن يقتصدا في الحليب المتوفر، يُرضعان التوأمين بالتناوب، نصف وجبة في الصباح ونصف آخر في المساء. ومع تناقص الحليب، لجأ الزوجان إلى بدائل يائسة. أصبح العدس المسلوق المادة الأساسية التي يضعانها في زجاجة الحليب، بعد أن يخففاه بالماء. كان الطفلان يقبلان هذا (الحليب) المزعوم، وهما لا يعلمان أن قوانين الطفولة قد انقلبت رأسًا على عقب، وأن ما في الزجاجة ليس سوى شوربة عدس تخلو من أي طعم يشبه الطفولة.
أرض الجوع والموت!
حالة جود وأسرتها ليست سوى جزء من مأساة أوسع في غزة، حيث الحصار جعل الجوع ضيفًا دائمًا في كل بيت. تشير التقارير إلى أن أكثر من نصف سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن 470,000 شخص يعيشون في حالة جوع كارثي، بينهم مئات الآلاف من الأطفال.
ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، توفي 66 طفلًا جوعًا منذ أكتوبر 2023، ثلاثة منهم في الأسبوع الأخير فقط. وحذرت تقارير من أن أكثر من 71,000 طفل دون الخامسة قد يعانون من سوء تغذية حاد خلال الأشهر المقبلة.
الجوع ليس مجرد أرقام. هو وجوه هزيلة، وأطفال يموتون بصمت. في مستشفيات غزة، هناك أطفال يعانون من الإسهال والجفاف، وآخرون يرقدون بلا حراك، أجسادهم الصغيرة أضعف من أن تقاوم آثار سوء التغذية.
صوت الأمومة المنكسر..
"كيف أكون أمًا ولا أستطيع إطعام أطفالي؟" تسأل جود نفسها بصوت تختلط فيه المرارة بالعجز. كانت ترى طفليها يبكيان جوعًا، لكنها لم تكن تملك شيئًا سوى العدس. كانت تضعهما في سريرهما ليلاً وتدعو الله ألا يستيقظا باكيين في منتصف الليل، لأن دموعهما كانت أوجع من الحصار نفسه.
تقول جود: "كنت أحلم أن أرضع طفليّ، أن أشعر أنني أم حقيقية. لكن الاحتلال حرمني من ذلك. جعلنا نشعر أننا نحارب من أجل كل لقمة، كل رشفة ماء."
نداء أخير!
تجسد قصة جود وتوأميها صورةً قاتمة لما يمر به سكان غزة، حيث تحولت حياة الأطفال إلى صراع يومي مع الجوع والموت. إن أطفال غزة لا يطلبون رفاهية، بل أبسط حقوقهم: الغذاء، الدواء، والأمان.
إن هذه المأساة لا يمكن أن تستمر. يجب على العالم أن يتحرك فورًا لرفع الحصار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية. يجب أن تعود الحياة إلى زين وحسن، وألا يكون العدس بديلاً عن حليب الطفولة.
ففي غزة، يكبر الأطفال سريعًا، ليس لأنهم يعيشون، بل لأن الموت يزاحم طفولتهم.