الاحتلال يحاصر الرضع باحتجاز حليب الأطفال ويهدد حياتهم

الاحتلال يحاصر الرضع باحتجاز حليب الأطفال ويهدد حياتهم
الاحتلال يحاصر الرضع باحتجاز حليب الأطفال ويهدد حياتهم

الرسالة نت- متابعة خاصة

لم تقتصر مآسي الحرب في غزة على الشظايا والخراب المباشر. هناك سلاحٌ آخر أقلّ بريقًا لكنه قاتل: الحرمان الممنهج من الغذاء والدواء واللوازم الصحية التي تحوّل الأطفال إلى ضحايا غير مباشرين لحصار يستهدف القدرة على الحياة نفسها. عندما تُسدّ السبل أمام عبوة حليبٍ واحدة، أو عندما تُمنع ثلاجات حفظ اللقاحات أو قطع غيار مولدات المستشفيات، لا يكون ذلك مجرد إخلال لوجستي، بل هو قرارٌ عملي يضرب أقوى الفئات هشاشة: الرضّع والأطفال الصغار والحوامل والمرضعات.

الأثر يفعل فعلته بهدوء قاتل: أمٌّ لا تستطيع إطعام طفلها الرضيع بحليبٍ جاهز لأن العبوات محتجزة منذ أشهر، فتضطر لإطعامه سوائل غير معقمة أو تحاول استئناف الرضاعة في ظروفٍ صحية مدمرة. 

طفلٌ يتلقى جرعاتٍ ناقصة من اللقاحات لأن الحقن والسرنجات والثلاجات لا تمرّ عبر المعابر. مستشفىٌ يفقد قدرته على تشغيل أجهزة تنفس أو حفظ الدم أو إجراء عمليات ولادة آمنة بسبب نقص المولدات وقطع الغيار. هذا كله يترجم بسرعة إلى تفاقم سوء التغذية، إلى أمراض يمكن الوقاية منها، وإلى وفياتٍ تُضاف إلى قائمة طويلة من الخسائر.

عبوات حليب محتجزة

هنا حكاية لسمية - أم لتوأم- تبحث بين البسطات المقامة حول الركام عن عبوة حليب لطفليها في ظل الحصار ونقص الإمدادات. 

كثيرًا ما تضطر لاستدانة المال لشراء الحليب، وأحيانًا لا تجده فتضطر للجوء إلى مرضعات أخريات لإنقاذ أطفالها.

 في كل يوم، يقف خوفها على حياة التوأم أمام صعوبات الغذاء وسوء التغذية الذي يهدد صحتهما، تقول "للرسالة نت"، إنها أنجبتهما في سبتمبر 2025 قبل نهاية الحرب بشهر، وكانت تظن أن الحليب سيكون متوفر لكن كانت الصدمة لعدم تقبل ابنائها الرضاعة منها بشكل دائم مما دفعها وجوزها البحث في الأسواق عن علب الحليب.

في الأيام الأخيرة، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن ما يقارب مليون عبوة من حليب الرضع الجاهز محتجزة عند المعابر منذ شهر آب/أغسطس، وأن عناصر أساسية أخرى مثل سرنجات التطعيم والثلاجات الشمسية وقطع غيار الشاحنات المائية تُصنّف أحيانًا كـ«سلع مزدوجة الاستخدام» وتُعرقل دخولها.

هذه الحجب لا يطال مؤسسات أو منظمات فحسب؛ بل يُترجم مباشرة إلى حياة مهددة لآلاف الرضّع والأطفال الذين فقدوا ما يكفيهم من المناعة والاحتياطي الغذائي.

وقال المتحدث باسم المنظمة، ريكاردو بيريس، في مؤتمر صحفي في جنيف، إن 938 ألف عبوة من حليب الرضع الجاهز ما تزال محتجزة منذ آب/أغسطس الماضي، محذرًا من أن هذا التعطيل يهدد حياة آلاف الأطفال الذين يعانون من نقص التغذية الحاد.

وأشار إلى أن نحو 5,500 شاحنة مساعدات دخلت قطاع غزة بين 12 تشرين الأول/أكتوبر و10 تشرين الثاني/نوفمبر، لكنها لم تشمل العديد من المواد الحيوية التي تُمنع من المرور، موضحًا أن زيادة تجهيزات الإغاثة لم تعالج الفجوات الحرجة في سلاسل التبريد والوقود وقطع الغيار الطبية.

بالتوازي، أطلقت "يونيسف" ومنظمة الصحة العالمية حملة تطعيم واسعة تستهدف أكثر من 40 ألف طفل دون سن الثالثة لتعويض ما فاتهم من لقاحات روتينية، وقد بدأت الحملة الأحد الماضي ونجحت في تطعيم نحو 2400 طفل في يومها الأول عبر 149 مرفقًا صحيًا و10 وحدات متنقلة، بمشاركة 450 عاملاً صحيًا تلقوا تدريبات مسبقة من "يونيسف" قبل اندلاع الحرب. لكن نجاح الحملة، كما تحذر المنظمة، يظل معرضًا للخطر ما لم يُسمح بدخول السرنجات والثلاجات الشمسية ووسائل التخزين الآمنة.

في المقابل، قالت منظمة "أنقذوا الأطفال" إن معدلات سوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة ارتفعت بشكل كبير، مع زيادة الحالات التي تحتاج إلى إدخال طبي عاجل، مشيرة إلى أن هذا الارتفاع يعكس فقدان الأمن الغذائي وتفشّي الأمراض الناجمة عن تلوث المياه ونقص الخدمات الصحية.

احصائيات

وتشير تقارير وزارة الصحة في غزة ومنظمات الإغاثة إلى مئات الوفيات المرتبطة بسوء التغذية والجوع خلال الأشهر الماضية، بينها عشرات الأطفال، فيما تختلف الأرقام باختلاف المصادر لكنها تتفق على اتجاهٍ واحد: ارتفاعٍ حاد في وفيات الجوع والمضاعفات الناتجة عن الحرمان الغذائي وانهيار الخدمات الصحية.

ويعني احتجاز الحليب وقطع الغيار والثلاجات الشمسية أن المراكز الصحية لم تعد قادرة على حفظ اللقاحات والدم والأدوية الحساسة، ما يقوّض حملات التطعيم ويزيد من خطر تفشّي أمراض يمكن الوقاية منها، مثل شلل الأطفال والحصبة والالتهاب الرئوي.

تداعيات هذه الأزمة لا تقف عند حدود الجسد، بل تمتد إلى البنية النفسية والاجتماعية للأطفال. فالجوع المزمن والمرض والحرمان المتكرر يولدون صدمة جماعية قد تترك آثارًا طويلة المدى على الصحة النفسية والتعليم والنمو العقلي، ما يقلّص آفاق الجيل القادم ويهدد مستقبل المجتمع بأكمله.