بعد نفاد المعقمات وأدوات الغيار..

جراح المصابين في غزة تتحول إلى أبواب مفتوحة للموت

جراح المصابين في غزة  تتحول إلى أبواب مفتوحة نحو للموت
جراح المصابين في غزة تتحول إلى أبواب مفتوحة نحو للموت

الرسالة نت_ خاص

من قلب المعاناة تخرج معاناة، تصعد فوق الأخرى ليرتفع منسوب الألم وتتصدر الفاجعة؛ لتشكل مشهد المدينة المحاصرة.

اليوم تقف المستشفيات شاهداً صارخاً على مأساة إنسانية تتفاقم يومياً. صورة قاسية تُجسدها الأروقة المزدحمة بالجرحى والمرضى، حيث الأجهزة المتوقفة عن العمل بفعل القصف وانقطاع الكهرباء، والأسِرَّة التي تضيق بأعداد المصابين. هنا، حيث كان يُفترض أن يكون الألم مقدمةً للشفاء، بات الألم يتضاعف دون أمل يلوح في الأفق.

مجمع ناصر الطبي، أحد أعمدة الرعاية الصحية في القطاع، أضحى كمن يقف على حافة الانهيار. فمع توقف خدمة الغيار على الجروح نتيجة نفاد أبسط المستلزمات كالشاش، تتحول الإصابات الصغيرة إلى بوابات مفتوحة للعدوى والموت البطيء. المرضى هنا ليسوا أرقاماً، بل أرواحاً تواجه قدرها بأيدٍ مكبلة وعجز مطبق.

في الجهة الأخرى، تعكس ممرات مجمع الشفاء الطبي الواقع الأكثر قتامة. أقسام العناية المركزة أصبحت تُدار بالساعات القليلة المتبقية من الوقود، وغرف غسيل الكلى صارت أشبه بصناديق انتظار للموت، بعدما أعلن توقفها بشكل كامل. صرخات المرضى وعائلاتهم تتردد كأصداء في فراغ العالم الذي يبدو صامتاً أمام هذه الكارثة.

النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات تجاوز حدود الخطر، مع عجز في الأدوية الأساسية بلغ 37%، ونفاد شبه كامل للمستلزمات الطبية بنسبة 59%. أما أدوية العمليات الجراحية والطوارئ، فهي أشبه بالسراب، لا تصل إلا كمعجزات نادرة. ومع استهداف الاحتلال المستمر للمرافق الصحية، باتت أجهزة حيوية مثل الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي ذكرى لماضٍ كان يقدم أملاً للمرضى.

ومن بين 37 مستشفى كانت تخدم غزة، بالكاد تبقت 7 تعمل بقدرات محدودة، معظمها على وشك الإغلاق بفعل القصف ونقص الوقود. هذا الواقع القاسي يجعل كل لحظة تمر في هذه المستشفيات اختباراً للإنسانية التي تتراجع تحت وطأة الحصار والصمت الدولي.

لكن خلف كل هذه المعاناة، لا يزال هناك أطباء وممرضون يعملون بإصرار مذهل، يكافحون لإنقاذ الأرواح بما يتيسر لهم من أدوات بدائية، أو حتى بيدين مجردتين. إنهم يمثلون بصيص الأمل في ظلام الحال، رغم علمهم أن الموت قد يأتيهم من السماء كما أتى لمرضاهم.

إن المستشفيات في غزة لم تعد مجرد أماكن للعلاج، بل صارت ساحات للصمود الإنساني في وجه آلة الحرب. هذا الواقع الكارثي يستوجب تدخلاً فورياً، ليس فقط لتوفير الإمدادات الطبية الضرورية، بل لحماية الحق الأساسي في الحياة الذي يتآكل هنا تحت وطأة الحصار والقصف.