في أحد أحياء غزة المتعبة، وبين الجدران المتشققة برائحة البارود والملح والخذلان، رحل الطبيب مروان السلطان.
لم يرحل على سرير طبي في غرفة معقّمة، ولا على وقع بكاء الممرضين من حوله، بل استُشهد كما عاش، في قلب النار، وأمام عيون مدينته المدمّاة، مع زوجته وأطفاله، في قصف استهدفهم وهم يحلمون بنجاة مؤقتة أو بعض نوم.
لم يكن مروان السلطان مجرد طبيب قلب. كان هو القلب النابض للمستشفى الإندونيسي، والنبض الأخير لشمال غزة. لم يكن يداوي القلوب فحسب، بل كان يربّت على الخوف في عيون المرضى، ويوزع الطمأنينة على أبواب الطوارئ، ويزرع بيده الأمل حيث ماتت كل الزهور.
وحين كانت الدعوات تشتد على الطواقم الطبية للمغادرة، وكان الموت يتجول بحرية بين الأروقة، أبى أن يغادر.
رفض أن يترك الجرحى وحدهم. قالها مرارًا: "لن أرحل، لأن الذي بترت ساقه، والذي يتنفس عبر جهاز، والذي يحمل شظية في رأسه، لا يملك ترف المغادرة."
من داخل المستشفى الإندونيسي، كان صوته يصل عبر القنوات، نداءات لا تُنسى، ليست نداءات طبية فقط، بل نداءات روح ترى الكارثة قادمة وتحاول صدّها بكلمات عاجزة. حذّر من نفاد الوقود، من توقف أجهزة العناية المركزة، من أقسام تحوّلت إلى توابيت باردة.
ورغم كل هذا، ظل واقفًا. ظل هناك، بين الأطفال المحروقين، وبين صرخات الأمهات، وبين الحطام الذي كان ذات يوم قسمًا للجراحة.
كان يخرج من غرفة ليدخل أخرى، يحمل في يده سماعته، وفي قلبه قطاعًا بأكمله.
لكن اليوم؛ ظهرا؛ وبينما هو يدخل إلى منزله مع عائلته، عند مفترق "17"، قررت آلة الحرب أن تطفئ هذا القلب الكبير.
قالت ابنة الشهيد الدكتور مروان السلطان، إن العائلة نزحت من شمال قطاع غزة في وقت سابق، واستأجرت منزلًا في المنطقة الغربية من مدينة غزة بحثًا عن الأمان، لكن طائرات الاحتلال استهدفت والدها بشكل مباشر داخل غرفته، دون أن تصيب باقي الغرف، وكأن الصاروخ وُجّه له تحديدًا.
وأضافت بحرقة: "والدي طبيب قلب، يمارس عملًا إنسانيًا بحتًا... لماذا يُستهدف؟". مشيرة إلى أن القصف أسفر عن استشهاد والدها، ووالدتها، وشقيقتها الصغرى، وعمتها، في جريمة نكراء حصدت أرواح عائلة بأكملها.
انتهت حياة الطبيب مروان السلطان في لحظة، ورحل معه ستة من أفراد عائلته.
لم يمت طبيب القلب، بل تحوّل إلى شهادة حيّة على استهداف الحياة في غزة.
برحيله، لم تفقد غزة طبيبًا فحسب، بل فقدت ما تبقّى من قوتها الإنسانية في وجه الخراب. مروان لم يكن اسمًا على معطف أبيض، كان حكاية وطن. وحين يُسأل الناس عن معنى الصمود، سيقولون: كان هناك رجل اسمه مروان السلطان، عاش طبيبًا ومات شهيدًا، لكنه لم يترك غزة حتى آخر نفس.
الدكتور مروان كان واحدًا من آخر طبيبين مختصين في أمراض القلب بقوا على رأس عملهم في قطاع غزة، متمسكًا بموقعه حتى الرمق الأخير، مؤمنًا أن البقاء واجب حين لا يملك الجرحى خيار الرحيل.