مع دخول الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شهرها الحادي والعشرين، تتوالى المؤشرات على إخفاق واسع النطاق للعملية العسكرية الإسرائيلية المسماة "مركبات غدعون"، والتي أطلقتها حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو لتحقيق أهداف وُصفت حينها بأنها "مصيرية". لكن المحصلة حتى اليوم، كما تشير التحليلات العبرية، هي فشل سياسي وعسكري مدوٍ، مع تزايد المطالب بإنهاء الحرب التي لم تُحقق أهدافها، وخلّفت دمارًا شاملاً ومعاناة غير مسبوقة.
فشل "غدعون".. وإحباط الجيش
المحلل السياسي البارز في صحيفة يديعوت أحرونوت، ناحوم برنياع، كتب أن "عملية غزة (مركبات غدعون) تنتهي بفشل مدوٍ"، مضيفًا أن "الجيش لا يقرّ بذلك علنًا، لكن الإحباط كبير". ويؤكد أن الدافع الأساسي وراء العملية كان سياسيًا بامتياز، وأن القرار اتخذه شخص واحد، في إشارة مباشرة إلى رئيس الوزراء نتنياهو، الذي يُحمّله كثير من الإسرائيليين مسؤولية إطالة الحرب والتسبب في مأزق داخلي وخارجي.
من جانبه، أكد عاموس هرئيل، المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، أن "نتنياهو هو من يُصرّ على إطالة أمد الحرب في محاولة لضمان بقاء حكومته"، مشيرًا إلى أن هذا الإصرار يؤدي إلى "مزيد من العذاب للأسرى، ولعائلاتهم، وللمواطنين على كلا الجانبين".
وأضاف أن الاستطلاعات الإسرائيلية تظهر دعمًا شعبيًا واسعًا – يتجاوز 60% – لإنهاء الحرب وإتمام صفقة تبادل شاملة، حتى لو تطلبت تقديم "ثمن باهظ".
كارثة غزة.. ومهد مقاومة جديدة
وفي الوقت الذي تشهد فيه غزة دمارًا مروعًا، وصفت صحيفة هآرتس الوضع الإنساني هناك بأنه "أسوأ كارثة إنسانية في حياة أكثر من مليوني إنسان"، مؤكدة أن "الصدمة الوطنية المؤلمة التي يعيشها القطاع لا يمكن شفاؤها بالمساعدات".
وحذرت الصحيفة من أن "غزة باتت أرضًا خصبة لنمو أشكال جديدة من المقاومة، قد لا تكون حماس أو الجهاد الإسلامي، بل "ميليشيات" محلية ومجموعات قتالية تعتمد على العبوات الناسفة والأسلحة الصغيرة، دون حاجة لصواريخ أو طائرات مسيرة"، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجارب الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان، وكذلك تجربة (إسرائيل) في جنوب لبنان قبل انسحابها عام 2000.
صحيفة جيروزاليم بوست نقلت عن مصادر داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن الجيش يضغط لإنهاء الحرب خلال "أسبوعين أو ثلاثة أسابيع"، معتبرًا أن استمرار المعارك بات عبئًا على الجبهة الداخلية وعلى الجهوزية الاستراتيجية للجيش أمام تهديدات لبنان وإيران.
مفترق طرق
في ضوء هذه المعطيات، تبدو (إسرائيل) عالقة بين مطرقة الاستنزاف العسكري في غزة وسندان الانهيار السياسي الداخلي. فالحرب التي طالت أكثر مما توقّع قادتها، تحولت إلى مأزق متعدد الأوجه:
عسكريًا: عجز واضح عن القضاء على المقاومة أو فرض سيطرة أمنية حقيقية.
إنسانيًا: كارثة شاملة خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ومئات الآلاف من المشردين.
سياسيًا: تآكل في شرعية الحكومة، وانقسام داخلي متزايد.
ميدانيًا: تحوّل غزة إلى بؤرة متفجرة مرشحة لتصدير مقاومة دائمة بأساليب جديدة.