7 شواكل للكيلو.. نار الحطب تحرق ما تبقى من صبر الغزيين

غزة - خاص الرسالة نت

بين نار الغلاء ولهيب الحرب، يعيش أهالي قطاع غزة صراعًا يوميًا لتأمين لقمة تطهى على أي شيء قابل للاشتعال، بعدما ارتفعت أسعار الحطب بشكل جنوني، وتقلّصت مساحات جمعه بسبب تحويل أكثر من ثلثي القطاع إلى مناطق حمراء يُمنع الاقتراب منها، ما يجعل مهمة الطهي أشبه بالمخاطرة بالحياة.

ويجد المواطن الغزّي نفسه بين نارين: نار الغلاء ونار الخطر المحدق بجمع الحطب، ناهيك عن الأسعار الفلكية للطعام ذاته، إن وُجد.

وقد وصل سعر كيلو الحطب في غزة إلى نحو 7 شواكل، وهو ما يعني أن تكلفة إشعال النار لطهي وجبة واحدة قد تتجاوز دخل يومٍ كامل لعامل بسيط أو نازح فقد مصدر رزقه، ما دفع كثيرًا من الأهالي إلى البحث عن بدائل خطيرة، كحرق البلاستيك، والملابس القديمة، والورق، رغم ما تحمله هذه المواد من أضرار صحية جسيمة.

فوق الطاقة
تقول أم رامي، وهي نازحة تقيم في مدرسة وسط مدينة غزة: "لم يعد لدينا قدرة على شراء الحطب، صار كل شيء غاليًا. نجمع أكياس النايلون والأحذية الممزقة لنشعل بها النار، نعلم أنها ضارة، لكنها وسيلتنا الوحيدة لطهو الطعام لأولادنا".

في الأسواق، تبدو كميات الحطب محدودة، ومع ازدياد الطلب وشحّ المصادر، ارتفعت أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة.
ويؤكد التاجر أبو طارق أن ثمن الكيلو الواحد وصل إلى 7 شواكل، وقد يتجاوز ذلك إذا استمر الوضع كما هو، مشيرًا إلى أن الحطب يُجمع من أنقاض البيوت، أو يخاطر بعض الشبان بجلبه من مناطق يحظرها الاحتلال، ما يرفع من تكلفته.

وتتساءل أم يوسف، وهي أم لخمسة أطفال: "ماذا نفعل؟ إما أن نطبخ بالبلاستيك أو نجوع؟ لم يعد لدينا حتى أوراق لنحرقها. هذه حرب لا تقتلنا بالصواريخ فقط، بل بالجوع والدخان".

بينما يقول أبو حسام، وهو نازح من شمال القطاع وربّ أسرة يعيل 8 أفراد: "نخرج قبل الفجر ونعود قبل الغروب، نجمع ما تيسّر من بقايا أخشاب أو قطع أثاث من تحت الأنقاض. سعر الحطب نار، والغاز مفقود، وأي خطأ في الاتجاه قد يكلّفنا حياتنا".

ويضيف: "لطهو وجبة عدس فقط، نحتاج إلى 2 كيلو من الحطب، أي 14 شيكلًا، دون حساب ثمن العدس أو الخبز، وهذا فوق طاقة كثير من العائلات".

مهمة خطيرة
في كثير من الأحيان، أصبح جمع الحطب سببًا لفقدان الحياة، فقد استُشهد عدد من المواطنين، أغلبهم من الأطفال والفتية، خلال محاولتهم دخول المناطق المصنّفة "حمراء"، وهي مناطق يُمنع دخولها بسبب استهداف الاحتلال المتكرر لأي حركة فيها، حتى لو كانت لجمع الحطب.

ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتراجع المساعدات، لم يجد المواطنون بديلًا سوى جمع البلاستيك، والملابس البالية، وقطع الورق لإشعال النار، رغم معرفتهم التامة بما تحمله من مخاطر صحية على الرئة والجهاز التنفسي، خصوصًا للأطفال وكبار السن.

يقول الدكتور بسام أبو ناصر، استشاري طب الأسرة، إن إشعال الحطب بطرق خاطئة، واستخدام "النايلون" والبلاستيك في الإشعال، يضاعف من تلوث الهواء وامتصاصه من قبل جسم الإنسان.

وأكد أن الأمراض الصدرية زادت بشكل لافت، كما تضاعفت نسبة الانتكاسات، وأصبحت البخاخات التي تكفي المريض لشهر لا تكفيه سوى لثلاثة أيام، مما يزيد من التأثيرات السلبية على الدماغ والقلب، ويؤدي إلى تقصير عمر المريض وإصابته بالتليّف الرئوي، مشيرًا إلى أن نسبة هذا المرض ارتفعت بشكل كبير في القطاع.

وفيما تلتزم الجهات الرسمية والدولية الصمت، تبقى نار الأزمة مشتعلة، تحرق في طريقها ما تبقى من صبر الغزيين، وتحاصرهم في أدق تفاصيل الحياة التي باتت فوق طاقة تحمّلهم.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير