يشهد قطاع غزة حاليًا أزمة صحية متصاعدة بفعل انتشار واسع وخطير لمرض التهاب السحايا، خاصة بين فئة الأطفال والرضع. ويأتي هذا التفشي في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية في القطاع بسبب العدوان المستمر، والحصار الخانق، وغياب الحد الأدنى من متطلبات الرعاية الطبية الأساسية. وقد أطلق الأطباء والعاملون في القطاع الصحي صيحات استغاثة في ظل عجزهم عن احتواء تفشي المرض أو التعامل مع الحالات المصابة بالشكل المناسب.
تشير المعطيات الصادرة عن مستشفيات القطاع إلى تسجيل عشرات الحالات الجديدة يوميًا. فقد أعلن طاقم مستشفى الأقصى في مدينة دير البلح عن استقبال ما بين ثلاث إلى خمس حالات جديدة يوميًا، في حين تجاوز عدد الحالات المسجلة في مستشفى النصر للأطفال بمدينة غزة أكثر من 300 حالة خلال أيام قليلة. أما في مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، فقد تم تسجيل أكثر من 40 حالة إصابة خلال أربعة أيام فقط
في مقابلة مع الدكتور أحمد الأغا، أخصائي طب الأطفال في غزة، قال:“نحن أمام كارثة صحية حقيقية. التهاب السحايا ينتشر بسرعة غير مسبوقة، ومعظم المصابين هم من الأطفال دون سن الخامسة. لا نملك أدوات التشخيص الكافية، ولا المضادات الحيوية المناسبة"
وأضاف الطبيب : تعاني المشافي من اكتظاظ شديد. كل حالة لا يتم علاجها في الوقت المناسب قد تؤدي إلى تلف دائم في الدماغ أو الوفاة. الوضع لا يحتمل أي تأخير.
هذا الارتفاع الحاد في عدد الإصابات يحدث في ظل عجز المستشفيات عن استيعاب المرضى، نتيجة لتدمير أجزاء واسعة من مرافقها ونقص كبير في الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية، خصوصًا مضادات الالتهاب الحيوية التي تعد العلاج الأساسي للحالات البكتيرية
يعود تفشي مرض التهاب السحايا في قطاع غزة إلى الانهيار الحاد في النظام الصحي نتيجة الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023، والتي تسببت في تدمير أكثر من 70% من المنشآت الصحية، وخروج العديد من المستشفيات عن الخدمة. كما أدى إغلاق المعابر ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية إلى عجز الطواقم الطبية عن التعامل مع الحالات المتزايدة، وسط نقص حاد في المضادات الحيوية وأدوات التشخيص الضرورية.
هذا الانهيار جعل من الصعب السيطرة على المرض أو الحد من انتشاره، خاصة مع ازدياد عدد الإصابات يوميًا.
في الوقت نفسه، ساهمت الظروف البيئية والمعيشية السيئة في مراكز النزوح، التي تضم أكثر من 1.5 مليون نازح، في تفاقم الأزمة. فهذه المراكز تعاني من اكتظاظ شديد، وافتقار إلى المياه النظيفة، وغياب أنظمة صرف صحي مناسبة، ما جعلها بؤرًا خصبة لانتقال الأمراض المعدية، وعلى رأسها التهاب السحايا. كما أن سوء التغذية المنتشر بين الأطفال، وضعف مناعتهم بسبب نقص الغذاء والرعاية، جعلهم أكثر عرضة للإصابة والمضاعفات الخطيرة المرتبطة بهذا المرض.