في قلب الخيام المتناثرة على امتداد الطرقات وفي الساحات المكشوفة، حيث لا جدران تحمي من الريح ولا نوافذ تُغلق على دفء، يبدأ صباح النازحين في غزة بصمتٍ ثقيل، وكأنّ النهار ذاته ينهض بتثاقل من رماد ليله الطويل.
تستيقظ النساء مبكرًا، ليس لإعداد قهوة الصباح كما اعتدن، بل لإشعال النار بالحطب، يضع فوقها إبريقًا صدِئًا يغلي فيه الماء وبعض من أوراق الشاي بدون سكر.
لا طعم. لا مذاق. فقط مرارة حارقة تشبه الواقع، يشربها الجميع بصمت، لأن لا بديل، ولا مجال للترف في صباحٍ لم يعد يملك من الطقوس سوى الدخان.
أما القهوة، فهي حكاية فقدٍ أخرى. يتحدث الناس عنها كما يتحدث المنفيون عن أوطانهم. يشتاقون لرائحتها، يغمضون أعينهم لثوانٍ حين يمر بخيالهم بخار الفنجان الصغير المتصاعد في صباحٍ دافئ.
أما اليوم، فلا قهوة حقيقية في المخيمات، فقط خليط مغشوش من العدس والحمص ونوى التمر المطحون؛ في ظل انعدام البضائع؛ يشربونه مضطرين، أو يتجاهلونه متألمين.
"لقد أقسم البائع مائة يمين أنها ليست مغشوشة بالكامل"، تهمس امرأة وهي تتفقد قهوتها، ثم تضيف بمرارة: "لكنها بلا رائحة، بلا روح".
وفي السوق، تجاوز سعر أوقية البن الـ100 دولار، بينما لم تكن تتعدى قبل الحرب خمسة دولارات. وبهذا، أصبحت القهوة – التي كانت تُقدّم في كل فرح وحزن، وتُسكب في المقاهي وعلى بسطات الشوارع – سلعة للأثرياء، إن وجدوا، وترفًا بعيدًا عن متناول النازحين الذين بالكاد يجدون الخبز.
وأما الشاي، ذلك الرفيق البسيط للقلوب المتعبة، فقد تغيّر مذاقه هو الآخر. أصبح يشبه الحياة هنا: مرًّا، باهتًا، ثقيلًا، وسعر الكيلوغرام منه تجاوز بدوره حاجز المائة دولار. ومع ذلك، يفضّله البعض، "فالمرارة فيه تشبه الواقع، وهي على الأقل ليست مزيفة"، يقول أحدهم بابتسامة باهتة.
لكن المرارة الكبرى، هي أن هذا الشاي يُشرب اليوم بلا سكر، لأنه أصبح سلعة فاخرة، محجوبة عن غالبية السكان. فقد أدى إغلاق المعابر إلى انقطاع تدفقه، وظهر من يحتكره من التجار، خاصة بعض مصانع الحلويات الكبرى، التي خزنته بكميات ضخمة في مستودعاتها. ومع مرور الوقت وازدياد الشح، ارتفع سعر الكيلوغرام تدريجيًا حتى تجاوز حاجز الـ100 دولار.
لم يكن أمام الغزيين سوى السخرية من هذا الجنون، فقال بعضهم متهكمًا: "ما كنا نشتريه أمس بدولار صار اليوم بورصة"، وأطلق آخرون عليه اسم "ذهب النازحين الأبيض"، بينما تساءل أحدهم ساخرًا: "هل نشتريه بالجرام أم بالحبة؟".
يغلي القدح فوق الحطب، تتصاعد رائحة الدخان، لا القهوة. الأطفال يستفيقون على قرقرة البطون، والشيوخ يتأملون بريق الشاي المعتم في الكوب، يفتقدون طعم السكر كما يفتقدون بيوتهم.
هكذا يبدأ صباح غزة اليوم: بلا قهوة، بلا سكر، بلا وطنٍ آمن. فقط صبرٌ يُغلى على نار الانتظار.