في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو المجازر الدموية التي تطال المدنيين في قطاع غزة، يواصل الاحتلال (الإسرائيلي) تنفيذ واحدة من أخطر أشكال الحصار والتجويع الممنهج باستخدام "سلاح التعطيش" كأداة إبادة صامتة تحصد الأرواح دون ضجيج.
ويشهد القطاع المحاصر منذ سنوات انهيارا كارثيا في منظومة المياه، بعدما دمّر الاحتلال خلال الحرب الجارية محطات التحلية الرئيسية ومئات الكيلومترات من خطوط التوزيع، مما جعل أكثر من 97% من المياه الجوفية غير صالحة للشرب وقلّص الإمدادات المائية إلى 7% فقط من مستواها قبل الحرب.
سياسة تعطيش
ونتيجة لذلك، لم تعد البلديات قادرة على توفير الحد الأدنى من احتياجات السكان، إذ أدى الحصار وإغلاق المعابر ومنع دخول الوقود إلى توقف معظم الخدمات الأساسية.
بدورها، قالت بلدية مدينة غزة، إن آلاف الأسر بالمناطق الشرقية في المدينة تعاني من انقطاع تام للمياه منذ نحو أسبوع، بسبب منع الجيش الإسرائيلي طواقمها الوصول لصيانة آبار المياه المتضررة جراء القصف.
وأوضحت البلدية في بيان، أن "الاحتلال يمنع طواقمنا من الوصول إلى شرق المدينة لصيانة بعض آبار المياه"، محذرةً من أزمة عطش حادة على وقع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار النزوح، وأكدت أن السكان يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على المياه.
وقال المهندس عاصم النبيه المتحدث باسم بلدية غزة إن أزمة عطش حادة يعيشها آلاف المواطنين في مدينة غزة بسبب الإبادة التي تتواصل للعام الثاني على التوالي، واستهداف الاحتلال للعديد من محطات التحلية التي كان السكان يعتمدون عليها كمصدر وحيد للمياه.
وأضاف النبيه: "ما يعمق الأزمة الحالية هو الارتفاعات في درجات الحرارة واستمرار النزوح والصعوبات المتزايدة في الحصول على المياه والانقطاع التام لها منذ نحو أسبوع عن المناطق الشرقية من المدينة، بسبب منع الاحتلال طواقم البلدية من الوصول لصيانة آبار المياه المتضررة جراء القصف".
وأكد أن الاحتلال (الإسرائيلي) دمّر أكثر من 75% من إجمالي آبار المياه المركزية التابعة للبلدية إضافة الى الأضرار التي لحقت بأكثر من 100 ألف متر طولي لشبكات المياه المختلفة الرئيسية والناقلة والفرعية، وهذا ينعكس على محدودية كمية المياه التي تغطي أقل من 40% من إجمالي مساحة المدينة وباقي مساحتها لا تصلها المياه منذ أشهر.
وبحسب معطيات رسمية في أيار/ مايو الماضي، فإن معدل استهلاك الفرد في غزة من المياه انخفض من نحو 84.6 لترات يوميا قبل الحرب، إلى ما بين 3 و5 لترات يوميا، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية في حالات الطوارئ (الذي يتراوح ما بين 7.5 و15 لترا للفرد يوميا).
وفي 9 أيار/ مايو الماضي، قال صندوق الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، إن ما بين 65 و70% من نظام المياه في غزة دُمّر بفعل الحرب، ما جعل إيصال المياه عبر الشبكات القديمة "أمرًا شبه مستحيل"، ما اضطر فرق الإغاثة إلى توزيع المياه عبر الشاحنات، رغم العقبات الكبيرة الناتجة عن نقص الوقود.
وأكد المتحدث باسم "يونيسف"، جوناثان كريكس، أن ندرة الوقود لا تعرقل نقل المياه فحسب، بل تؤدي أيضًا إلى توقف محطات التحلية.
وأورد البيان أن 90% من الأسر تواجه صعوبة بالغة في الحصول على مياه شرب كافية، بل وتعجز عن تأمين الماء لتنظيف رضيع حديث الولادة.
مياه ملوثة!
وفي ظل هذا الواقع المرير، اضطر مئات الآلاف من السكان لاستخدام مياه ملوثة تفتقر لأبسط معايير السلامة، ما تسبب في تفشي أمراض قاتلة بين الأطفال بشكل خاص، وسط تحذيرات أممية من انهيار صحي شامل وشيك.
وأكدت منظمة الأمم المتحدة أن غزة دخلت حالة طوارئ مائية تعد الأدنى عالميا، في وقت حذرت فيه مؤسسات إغاثية من انتشار الأوبئة نتيجة المياه الملوثة وتراكم النفايات في الأحياء المكتظة بالسكان.
وفي سياق متصل، تواصل إسرائيل سياسة تجويع ممنهج لنحو 2.4 مليون فلسطيني بغزة، عبر إغلاق المعابر بوجه المساعدات المتكدسة على الحدود منذ 2 آذار/ مارس الماضي، ما أدخل القطاع مرحلة المجاعة وأودى بحياة كثيرين.
فالمأساة لا تقف عند حدود العطش فقط، فقد تجاوز عدد ضحايا الحرب من الأطفال عشرين ألفًا منذ بدايتها، من بينهم أطفال توفوا بسبب الجفاف وسوء التغذية ونقص الماء النظيف.
وفي ظل غياب ممرات إنسانية فعالة وعجز المجتمع الدولي عن فرض ضغوط حقيقية على الاحتلال، يتحول الحصول على الماء في غزة إلى معركة بقاء يومي تدفع ثمنها العائلات والأطفال والمرضى.