بينما كان رئيس حكومة الإرهاب بنيامين نتنياهو يتواجد في واشنطن، آملاً باستعراض "ثباته الأمني" في وجه ضغوط التهدئة، باغتته بيت حانون شمال قطاع غزة بكمين مُحكم أعاد ترتيب المعادلة على الأرض… وعلى الطاولة.
ففي تمام الساعة العاشرة من مساء أمس، تحوّلت بلدة بيت حانون إلى ساحة اشتباك مركّب، بعد انفجار عبوتين ناسفتين بدقة بالغة تحت أقدام وحدة راجلة من كتيبة "نيتساح يهودا" التابعة للواء كفير.
وفي اللحظات التي تلت الانفجار، فتحت المقاومة الفلسطينية نيرانها من كمين ناري ثانٍ على فرق الإخلاء، ما أسفر عن مقتل 5 جنود وإصابة 14 آخرين، وفق اعترافات رسمية من جيش الاحتلال.
ما يكشفه التحقيق الأولي لجيش الاحتلال – وفق إذاعة الجيش – أن الكمين لم يكن مفاجئًا فقط، بل وقع في منطقة ظنّ الجيش أنها خضعت لسيطرة كاملة بعد غارات تمهيدية مكثفة.
لكن المقاومة زرعت العبوات بعناية، وفجّرتها بدقة لحظة مرور القوة، ثم أتبعت ذلك بكمين ناري استهدف فرق الإنقاذ.
الصحفي "دورون كدوش" وصف بيت حانون بأنها "منطقة تم احتلالها وإعادة احتلالها مرات لا تُحصى"، لكنّ العمليات ما زالت تتكرر فيها.
فيما أكد "هيليل بيتون روزين" أن بيت حانون شهدت معارك شبه يومية على مدار 20 شهرًا، والنتيجة واحدة: سقوط قتلى ومصابين كل مرة.
من بين القتلى، جنود من كتيبة "نيتساح يهودا" سيئة السمعة، والتابعة للواء كفير المتخصص بـ"مكافحة التمرد". الكتيبة المعروفة بتطرف عناصرها وممارساتها الوحشية في الضفة، كانت هدفًا مباشرًا في الكمين، ما أعطى الضربة بُعدًا "رمزيًا" إضافيًا، بحسب وصف وسائل إعلام إسرائيلية.
وفي أول تعليق رسمي للمقاومة على العملية، قال الناطق باسم كتائب القسام "أبو عبيدة" إن عملية بيت حانون المركبة هي ضربة إضافية سددها مجاهدونا الأشداء لهيبة جيش الاحتلال الهزيل ووحداته الأكثر إجرامًا، في ميدانٍ ظنّه الاحتلال آمناً بعد أن لم يُبقِ فيه حجراً على حجر."
وحذّر أبو عبيدة من استمرار الاحتلال داخل القطاع، مؤكداً أن: "معركة الاستنزاف التي يخوضها مقاتلونا مع العدو من شمال القطاع إلى جنوبه ستكبّده كل يوم خسائر إضافية، ولئن نجح مؤخراً في تخليص جنوده من الجحيم بأعجوبة؛ فلربما يفشل في ذلك لاحقاً ليصبح في قبضتنا أسرى إضافيون."
وأشار إلى ان القرار الأكثر غباءً الذي يمكن أن يتخذه نتنياهو سيكون الإبقاء على قواته داخل القطاع."
الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة رأى أن ما جرى في بيت حانون يتجاوز كونه حدثًا ميدانيًا.
وقال عفيفة : "ليلٌ لا يشبه سواه في شمال غزة. من بين الركام خرجت عملية نوعية بدّدت ظلام بيت حانون، وحوّلت الأرض إلى فخّ محترق التهم نخبة الاحتلال. الكمين كان مزلزلًا، وأحدث ارتدادات أبعد من الميدان".
ويضيف "الصدمة لم تبقَ في غزة. ارتدّ صداها إلى قلب الدوحة حيث تُدار المفاوضات غير المباشرة، واهتزّت الطاولة أمام الوسطاء والمفاوضين. اسم بيت حانون بات بندًا غير مكتوب على جدول التفاوض".
أما في واشنطن، فقد جاء نبأ الكمين كـ"صفعة مدوية"، بحسب عفيفة، في وقت كان فيه نتنياهو يروّج لانتصارات وهمية ويطلب مزيدًا من الوقت والدعم.
وتابع : "جاءت العملية لتطيح بالبروباغندا، وتقول للأمريكيين: لا حسم هنا، بل مقاومة حية، وكمائن، ونار… وارتباك في الحسابات".
وفي تل أبيب، يرى عفيفة أن العملية فجّرت كذلك صاعق التوتر بين القيادة السياسية والعسكرية، حيث يسود الاستياء داخل أوساط الجيش، ويشعر القادة بأنهم يُقادون نحو الهاوية بلا غطاء.
في توقيت حساس، جاءت العملية كإعادة تموضع للمقاومة في لحظة تفاوضية حساسة.
الكاتب والمحلل السياسي المصري على فوزي يرى ان "كل عبوة تنفجر في غزة، تساوي مئة بيان تفاوضي. هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الاحتلال في ميزان الميدان".
ويضيف للرسالة نت : "نتنياهو يخشى أن يُسأل في واشنطن: كيف تزعم السيطرة… وجنودك يُفجّرون في مناطق تقول إنها آمنة؟"
بيت حانون لم تكن مجرد معركة تكتيكية، بل كانت رسالة استراتيجية تقول بوضوح:
"لا مفاوضات بلا مقاومة ؛ لا أمن بلا انسحاب، ولا صفقات تمر وغزة تنزف وحدها".
وتبقى غزة… ترسم معادلتها بالعبوات، وبالدم، وبالمفاجآت.