في ظل الظروف الإنسانية المأساوية التي يعيشها قطاع غزة؛ تتصاعد المحاولات الأمريكية؛ لإعادة التغلغل في المشهد الفلسطيني عبر بوابة العمل الإغاثي، بعد الفشل الذريع الذي مُنيت به تجربتها الأخيرة المتمثلة في الشركة الأمريكية الخاصة التي تحولت إلى أداة مكشوفة لجمع المعلومات وإدارة عمليات توزيع مساعدات تحوّلت إلى مصائد موت للمدنيين.
المساعي الأمريكية جاءت في سياق محاولات لإعادة إدماج الشركة بعد عملية الرفض الأممي والمحلي في التعامل معها؛ على ضوء الرغبة الإسرائيلية الامريكية باستبدالها بدور الأونروا تحديدا؛ وشطب دورها الإغاثي في القطاع.
الشركة الامريكية المعروفة بGHF ؛ أصبحت واحدة من أهم العقبات الإسرائيلية التي تواجه الملف الإنساني على طاولة المفاوضات؛ وهو واحد من 4 ملفات تفاوض عليها المقاومة الفلسطينية؛ تتمثل في "المساعدات؛ الانسحاب؛ ضمانات وقف إطلاق النار؛ والأسرى".
وتصرّ دولة الاحتلال دخول المساعدات من خلال الشركة؛ علاوة عن محاولاتها ربط إدخال الوقود والسولار والبنزين من خلالها؛ سواء كانت تلك الواردة من خلال المساعدات للمستشفيات والبلديات؛ أو ما يمكن أن يسمح بإدخاله لاحقا من الغاز للمواطنين في القطاع.
وتشير مصادر عليمة لـ"الرسالة نت"، أن الإصرار الأمريكي تمثل في رغبته حصر توزيع الوقود من خلال شركة محلية معروفة عملت مع الشركة الأمريكية؛ في محاولة لترسيخ دور الأخيرة في التحكم بالمساعدات الواردة؛ حتى تلك التي تصل للقطاعين الإنساني والصحي بغزة؛ من خلال الشركة؛ رغم ما خلفته من عمليات قتل وإصابات في صفوف المواطنين.
وقال رئيس هيئة حشد للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني د. صلاح عبد العاطي؛ إنه استشهد ما يزيد عن 800 مواطن؛ وإصابة 4 آلاف آخرين؛ وفقدان ما يقرب من 40 مواطنًا.
وأكدّ عبد العاطي لـ"الرسالة نت"؛ أنّ الشركة مثلت أداة عسكرية وأمنية لصالح دولة الاحتلال؛ تتحكم من خلالها بالمساعدات الإنسانية في القطاع؛ في محاولة لاستبدال دور القطاع الإنساني الدولي العامل في قطاع غزة من منظمات ومؤسسات دولية.
مساعي التواصل!
ومع تصاعد أعداد الشهداء بين صفوف المواطنين المتجهين لاستلام المساعدات في المعسكرات الأمريكية برفح ونتساريم؛ وتصاعد الغضب الشعبي إزاء ذلك؛ بحثت الشركة عن منافذ للتغلغل في صفوف المواطنين من خلال عناوين عشائرية وقبلية في القطاع.
د. علاء الدين العكلوك رئيس ملتقى الإصلاح والعشائر بالتجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطيني؛ يكشف لـ" الرسالة نت" عن مجموعة من المعطيات المتعلقة بتواصل الشركة مع بعض المخاتير؛ طالبة منهم الحصول على قوائم عشائرية لتوزيع المساعدات من خلالهم.
وأوضح العكلوك أنّ هذه المساعي؛ ترافقت أيضا مع محاولاتها التواصل مع مبادرين وأصحاب جمعيات؛ والطلب منهم التقدم بطلبات لاستلام طرود وتوزيعها.
يقول العكلوك إن هذه الدعوات رافقها رفض من عدد كبير من المخاتير؛ كما أن التجمع حذر ونوه من أي تعامل مع الشركة؛ التي تورطت بسفك دماء الفلسطينيين؛ وحولتها لمعسكرات إبادة؛ ويتم توظيفها من أجل صناعة معسكرات اعتقال واسعة للفلسطينيين؛ وفق ما يخطط له الاحتلال.
واعتبر هذه الشركة أداة طيعة في تنفيذ المشاريع العسكرية الإسرائيلية؛ التي تصرّ على وجودها دولة الاحتلال؛ وتحاول تكثيف دورها عبر بوابات اجتماعية تمنحها شرعية وغطاء للعمل في أوساط سكان القطاع.
حظر أمني
أمن المقاومة أكدّ أنه تم رصد تحركات للشركة الأمريكية عبر شخصيات وجمعيات محلية وعشائرية؛ بالتنسيق مع تحركات أخرى لعصابة "أبو شباب"؛ في سياق محاولة شرعنة تحركاتهم في القطاع؛ والتغلغل من خلال هذه العناوين.
وذكر مصدر بأمن المقاومة لـ" الرسالة نت "؛ أنّ الاحتلال اتخذ الشركة كغطاء أمني وعسكري؛ عمل من خلاله على اعتقال مواطنين؛ واغتيال آخرين؛ علاوة عن تحقيقات ميدانية أجراها ضباط وأشخاص مع مواطنين في مواقع التسليم.
وبين أنّ المعلومات الواردة؛ أثبتت وجود تحركات أيضا من الشركة تجاه جمعيات ومبادرين؛ بهدف الحصول على معلومات أمنية تحت غطاء العمل الإغاثي.
وإزاء الدور الأمني للشركة؛ يستحيل السماح لها بالعمل في القطاع؛ كما يضع أي شخص يتعامل معها تحت المسؤولية القانونية والأمنية؛ مهما كانت الذرائع والمبررات؛ بحسب المصدر.
مساعي الحظر
هذه الأدوار أسهمت بشكل مباشر في دفع جهات دولية رفع شكاوي ضدها في سويسرا الدولة التي سجلت الشركة رسميا فيها؛ ونجحت قبل أسابيع عدة في إلغاء تسجيلها هناك بعد انسحاب المحامي المسجل للشركة.
رئيس مجلس جنيف أنور الغربي؛ واحد من هؤلاء الذين عملوا على مقاضاة الشركة؛ يؤكد أنه تم رفع قضية إدارية لشطب الشركة بشكل نهائي؛ مع نهاية الشهر الجاري.
وأوضح الغربي لـ" الرسالة نت"، أن المجلس رفع قضية جنائية أخرى ضد المسؤولين عن هذه المؤسسة وما ارتكبوه من جرائم.
ويقدّر بأن عملية شطب المؤسسة سيتم بشكل نهائي في الأسبوع الأول من أغسطس القادم؛ بحسب تقديرات المجلس تجاه صيرورة الملف القضائي.
وبين أن هذه المؤسسة باتت اليوم خارج نطاق القانون في سويسرا، مع توقع شطبها من السجل التجاري مطلع أغسطس المقبل، كما تم تقديم شكوى جنائية ضد مسؤولين اثنين عنها، أحدهما أمريكي الرئيس السابق للمؤسسة، والآخر أرميني مقيم في بريطانيا، وهما ملاحقان بتهم جرائم إبادة ودعم القتل في غزة وفلسطين.
ومع المساعي القانونية والقضائية الرامية لشطب اسم الشركة؛ برز دور جمعية أمريكية أخرى تحمل اسم "اتحاد الأديان" (Alliance of Religions) تعمل في شمال قطاع غزة تحديدا؛ وأدخلت 10 شاحنات مؤخرا لصالح مؤسسة انيرا التي يقع مقرها الرئيسي في أمريكا.
خلال البحث عن المنظمة وماهيتها؛ تبين أنها تدعى منظمة تحالف الأديان وتأسست في عام 2013؛ وهي منظمة خيرية غير ربحية تسعى إلى تعزيز التضامن بين الأديان بما يتعلق بشؤون الأزمة السورية مع أكثر من 100 شريك ديني وعلماني.
وقف على تأسيس المنظمة د. جورجيت بينيت؛ التي تولت منصب الرئيس السابق لشبكة الممولين اليهودية JFN وتعمل حاليًا في مجلس إدارة منظمة Third Way كما أنها عضو في المجلس الاستشاري للجنة الإنقاذ الدولية ومركز Milstein للحوار بين الأديان في المدرسة اللاهوتية اليهودية؛ بحسب التعريف الموجود على موقع المنظمة عبر شبكة الانترنت.
ويتولى حاليا السـوري شادي مارتيني، منصب المدير التنفيذي لتحالف الأديان؛ وشارك الأسبوع الماضي في فعالية استضافها الكنيست الإسرائيلي؛ بحسب ما نشره الإعلام العبري.
وتفيد مصادر خاصة بـ" الرسالة نت"؛ أنّ الجيش الإسرائيلي وافق على عمل المنظمة بغزة؛ منتصف الشهر الماضي؛ بعد نجاح أول عملية تأمين للمساعدات شمال غزة؛ في ظل غضب إسرائيلي وأمريكي من تجربة أنيرا بسبب التعاون مع العشائر بتأمينها وبإدخال المساعدات لمخازن؛ خلافا للرغبة الإسرائيلية بتوزيعها فورا على مواطنين عبر طريقة الفوضى الجارية.
وعلمت "الرسالة نت" أن المنظمة تتولى استلام المساعدات؛ ثم توزيعها عبر منظمات أخرى؛ تحديدا "انيرا؛ و "الفارس الشهم"، ويتم من خلالهم توزيعها عبر مشاريعهم المعتمدة.
وتواصلت "الرسالة نت" مع ممثل المنظمة بغزة؛ لكن لم تحصل على رد منه.
نفوذ أبو شباب
في غضون ذلك؛ أعلنت عصابة "ياسر أبو شباب" التي تنشط في شرق رفح الواقعة تحت سيطرة جيش الاحتلال؛ عن تشكيل ذراع مدني للتعامل مع العشائر والعوائل؛ وتوزيع المساعدات من خلاله.
وقال الشيخ سالم الصوفي رئيس تجمع قبائل وعشائر البادية قطاع غزة: "في الوقت الذي يخوض فيه شعبنا الفلسطيني معركة وجود وبقاء في وجه آلة الإبادة الصهيونية، يخرج علينا بعض من تلبّسوا لبوس "الإنقاذ" وهم في حقيقتهم جزء من المؤامرة المستمرة على شعبنا، معلنين عن تشكيل ما يسمى بـ"الهيئة المدنية للإنقاذ الشعبي"، في محاولة بائسة لتلميع وجوه لفظها شعبنا منذ زمن، ويدرك حقيقتها تمام الإدراك".
وأكدّ الصوفي لـ"الرسالة نت"، أن هذه الوجوه لا تمثل شعبنا، ولا تعبّر عن طموحه ولا عن كرامته، ولن يكون لها مكان في وسطه، لأن الشعب الذي قدّم كل هذا الصمود والتضحيات، لا يقبل أن يُختطف تمثيله من قبل أدوات ثبت تورطها في مشاريع تخدم الاحتلال وأعوانه.
وأضاف: "نذكّر هؤلاء بأن التاريخ والتجربة الفلسطينية لم تُشر يوماً إلى أن الاحتلال حمى عميلاً أو وفى له، بل على العكس، فإن إسرائيل تتخلى عن أدواتها في اللحظة التي تنتهي فيها مصلحتها، وتلقي بهم إلى مصيرهم المحتوم، وهذا ما ستثبته الأيام القريبة".
وختم بالقول: "عودوا إلى شعبكم قبل أن يفوت الأوان، فلا عزة لكم إلا في حضن هذا الشعب، ولا كرامة إلا في الاصطفاف مع مشروعه الوطني المقاوم".