رغم الإعلان الأوروبي عن اتفاق مع (إسرائيل) لتحسين الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة، تبدو النتائج على الأرض أقرب إلى "صفر" مساعدات فعلية، في ظل استمرار الحصار والتجويع والمماطلة، ما يعكس حجم الفجوة بين التصريحات الدبلوماسية والواقع الدموي في غزة.
وقالت الممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، إن الاتحاد الأوروبي لم يلمس "تحسنًا كافيًا" في الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، رغم الاتفاق الذي تم التوصل إليه مؤخرًا مع إسرائيل.
تصريحات كالاس جاءت خلال مؤتمر صحفي قبيل انطلاق اجتماع وزراء الاتحاد الأوروبي مع دول الجوار الجنوبي، حيث أكدت أن "الوضع في غزة خطير للغاية"، وأن الاتحاد بحاجة إلى "رؤية تطورات حقيقية على الأرض" بدلًا من الاكتفاء بوعود لا تجد طريقها للتنفيذ.
اتفاق بلا نتائج
الاتفاق الذي أُعلن عنه في 10 يوليو/تموز الجاري، تضمّن مجموعة من البنود التي يفترض أنها ستسهم في تخفيف معاناة المدنيين في القطاع المحاصر منذ أكثر من 17 عامًا، وتشمل:
إدخال المزيد من شاحنات الغذاء والاحتياجات اليومية.
إعادة فتح طرق المساعدات عبر الأردن ومصر.
توزيع المواد الغذائية من خلال المخابز والمطابخ.
استئناف تسليم الوقود لتشغيل مرافق الإغاثة.
ضمان حماية العاملين في مجال المساعدات.
إعادة تزويد محطة تحلية المياه بالكهرباء.
لكن كالاس أوضحت صراحة أن معظم هذه البنود بقيت حبرًا على ورق، مشيرة إلى أن "الخطوات الإيجابية"، كزيادة عدد الشاحنات، لم تكن كافية على الإطلاق. وأضافت: "ما تحقق حتى الآن لا يكفي... يجب أن نواصل الضغط من أجل تنفيذ فعلي لبنود الاتفاق".
مأساة إنسانية متواصلة
يأتي هذا في ظل حرب إبادة متواصلة تشنها (إسرائيل) على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وصفتها منظمات حقوقية دولية بأنها من أفظع الجرائم في العصر الحديث، حيث تُمارس فيها سياسات القتل والتجويع والتدمير والتهجير القسري بدعم غربي معلن، وعلى رأسه الولايات المتحدة.
وبحسب آخر الإحصاءات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن الحرب الإسرائيلية أوقعت أكثر من 197 ألف شهيد وجريح، معظمهم من الأطفال والنساء، إلى جانب أكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، في ظل انعدام أي قدرة على الإغاثة أو عمليات الإنقاذ.
تفشي المجاعة في غزة بلغ مراحل متقدمة، ما أدى إلى استشهاد عشرات الأطفال جوعًا، في وقت تُمنع فيه قوافل المساعدات من الدخول أو يتم التحكم في توزيعها بشكل مقيّد، عبر آليات إسرائيلية أو ما يُعرف بمؤسسات "المساعدات" التابعة لتنسيق الاحتلال، وهو ما يُعرقل جهود الإغاثة المستقلة.
وتُظهر الصور المتداولة من القطاع أطفالًا يعانون من الهزال، وأهالي يصطفون في طوابير طويلة أمام مطابخ خيرية أو شاحنات مساعدات نادرة تمر بإذن إسرائيلي مشروط، ما يعكس عمق المأساة وتواطؤ العالم مع استمرارها.
أوروبا.. وعود بلا أفعال
رغم أن الاتحاد الأوروبي كان من أبرز الداعين إلى "تحسين الوضع الإنساني" في غزة، إلا أن خطواته ظلت خجولة ومحدودة، ولم تمارس بروكسل أي ضغوط حقيقية على تل أبيب لوقف جرائمها أو رفع الحصار بشكل كامل.
كما لم تتخذ أوروبا إجراءات عقابية واضحة تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، مكتفية بإصدار بيانات قلق وتصريحات دبلوماسية، بينما الواقع يتدهور يومًا بعد يوم، والاتفاق الأخير، وفق تصريحات كالاس نفسها، لم يغيّر شيئًا.
الاتفاق الأوروبي الإسرائيلي الأخير، الذي روّج له بوصفه خطوة نحو انفراجة إنسانية، تحوّل إلى وثيقة خالية من المضمون، في ظل الإصرار الإسرائيلي على تجويع الفلسطينيين وخنقهم حتى الرمق الأخير، ومحدودية الضغط الأوروبي والأممي لإجبار (إسرائيل) على الالتزام.
ومع تزايد أعداد الضحايا والمجاعة، تبقى غزة شاهدة على عجز المجتمع الدولي، وتواطؤ بعض قواه الكبرى، وعلى رأسها واشنطن وأوروبا، في إدامة نكبة جديدة تطال شعبًا أعزل يحاول فقط البقاء حيًّا.