في أول ظهور مصوَّر له منذ مارس/آذار الماضي، أطَلَّ أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة "حماس"، في كلمة مصوَّرة اليوم الجمعة، تحمل ملامح سياسية واستراتيجية للمقاومة، ودعمًا لصمود الفلسطينيين المُجَوَّعين قسرًا في غزة، وعتابًا للأمة العربية والإسلامية.
فخطاب أبو عبيدة لا يمكن فصله عن مجريات حرب الإبادة المستمرة على القطاع، والأوضاع القاسية التي يمرّ بها الفلسطينيون، كذلك عن مسار الحرب النفسية التي تواصل المقاومة إيصالها لجنود الاحتلال الذين يتعرضون لكمائن مستمرة من المقاومة، تُسفِر عن مقتل العشرات وإصابة الآلاف، ومحاولات أسر جنود.
كما تطرّق أبو عبيدة في خطابه إلى مسار المفاوضات، حيث أوضح أن المقاومة تُبدي مرونة في هذا الملف، لكنه لوّح بأنه في حال تعنّت الاحتلال في هذه الاتفاقية، فإن المقاومة ستستخدم أساليب أكثر قوة. كما يُظهر الخطاب أن المقاومة تُمسك بزمام المبادرة عسكريًا ومعنويًا، رغم شراسة العدوان وطول أمد الحرب.
أبرز رسائل خطاب أبو عبيدة!
الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة يرى أن خطاب أبو عبيدة تطرق لفشل الاحتلال في تحقيق أي من أهدافه بعد أربعة أشهر من استئناف العدوان، مؤكدًا أن مئات القتلى والجرحى وآلاف المصابين باضطرابات نفسية في صفوف جيش الاحتلال، هي نتيجة مباشرة لاستراتيجية استنزاف متواصلة.
ويشير عفيفة في حديثه لـ"الرسالة"، إلى أن أبو عبيدة وصف الحرب بأنها "الأطول في تاريخ شعبنا"، وأن المقاومة استخلصت منها العبر لتطوير تكتيكاتها، في إشارة إلى مرونة ميدانية وإعادة تموضع ناجحة أربكت حسابات الاحتلال.
ويلفت إلى أن أبو عبيدة اتهم نتنياهو ووزراءه بالاستهانة بحياة الجنود الأسرى، وتوجيه الجمهور لتقبُّل فكرة مقتلهم، وذلك بهدف التنصُّل من أي صفقة تبادل، وتحميل القيادة السياسية مسؤولية استمرار معاناتهم.
وينوّه المحلل عفيفة إلى أن تلويح أبو عبيدة بإغلاق الباب أمام "الصفقات الجزئية" في حال استمرار تعنت الاحتلال، هو رسالة ضغط مزدوجة موجَّهة للرأي العام (الإسرائيلي) ولعائلات الجنود.
ويؤكد أن من أبرز الرسائل التي تحدث بها أبو عبيدة هي توجيه خطاب قاسٍ إلى الأنظمة العربية والإسلامية، متهمًا إياها بالصمت والخذلان، وتحميلها دماء عشرات الآلاف من الضحايا، لكونها لم تتحرك لوقف الإبادة أو كسر الحصار.
أما على الصعيد الداخلي الفلسطيني في غزة، فإن خطاب أبو عبيدة حمل رسالة شكر إلى أبناء شعبنا الصامدين الذين يتعرضون لحرب إبادة وتجويع قسري، وهي من أهم الرسائل التي جاءت في الخطاب من أجل تعزيز الروح المعنوية للفلسطينيين، وفق المحلل عفيفة.
وعن العملاء والجهات المشبوهة التي تعمل مع الاحتلال، يرى أن تطرّق أبو عبيدة إلى "العملاء" للتوبة، يأتي في سياق كشف صورتهم أمام الفلسطينيين ودورهم المشبوه في خدمة الاحتلال، فيما وجّه شكرًا خاصًا للعشائر والعائلات التي تبرّأت منهم، في محاولة لتطويق ظاهرة التعاون مع الاحتلال.
فرض توازن رعب!
أما المحلل السياسي ساري عرابي، فيرى أن ظهور أبو عبيدة، المتحدث باسم القسام، بعد أربعة أشهر من بداية العدوان، وفي أول ظهور مصوّر منذ مارس، يؤكد أن المقاومة تضغط في أرض المعركة وفي ملف المفاوضات، وتعيد ضبط المعركة مع الاحتلال.
وينوّه المحلل عرابي إلى أن خطاب أبو عبيدة حمل مزيجًا من الاستراتيجية العسكرية، أثناء حديثه عن حرب الاستنزاف وتكتيكات المقاومة التي تفاجئ الاحتلال، والحرب النفسية على الجمهور (الإسرائيلي) وجنود الاحتلال، وعتابًا للأمة العربية والإسلامية.
ويؤكد أن الخطاب تطرّق إلى التحول في تكتيكات المقاومة، من خلال المواجهة المباشرة من نقطة صفر مع جيش الاحتلال، وقدرة المقاومة على خوض حرب استنزاف طويلة، سيركز الاحتلال خلالها على تنفيذ عمليات نوعية لأسر جنود، وهي رسالة للوسطاء و(الإسرائيليين) معًا، بأن المقاومة قادرة على أسر مزيد من الجنود في حال تهرّب الاحتلال من جولة المفاوضات الحالية.
وعن المفاوضات وورقة الأسرى، فإن خطاب أبو عبيدة يكشف عن مرونة المقاومة في المضي قدمًا من أجل التوصل إلى صفقة شاملة، وفي الوقت نفسه يحمل رسالة (للإسرائيليين) بأن نتنياهو هو من يُعطّل هذه المفاوضات، ما سيُعمِّق الأزمة السياسية داخل الاحتلال.