في مقاله المؤلم والمشحون بالوجدان، يصوغ الكاتب هشام يونس لوحةً صحفية سوداوية تحاكي الواقع المأساوي لقطاع غزة، مسلطًا الضوء على أداة جديدة قديمة في حروب الإبادة: "التجويع"، الذي يتجاوز كونه مجرّد وسيلة قتال ليغدو، كما يصفه، جريمة إبادة بطيئة لا تقل فتكًا عن القنابل والصواريخ.
يشير المقال إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يستخدم سلاح التجويع بوعي وبدم بارد، في محاولة لتركيع سكان غزة عبر حرمانهم من الغذاء والدواء، دون إطلاق رصاصة واحدة، وإنما بوسائل أكثر إيلامًا وفتكًا: الجوع. لا يموت الناس فقط من القصف، بل يموتون من بطون خاوية، ومن ذلّ البحث عن لقمة تسد الرمق. إنها حرب خفية تُمارس بوحشية، على مرأى العالم أجمع، الذي لا يحرك ساكنًا، مكتفيًا بالشجب والبيانات.
يعيد الكاتب التذكير بأن الاحتلال دأب منذ نشأته في 15 مايو 1948 على قتل النساء والأطفال، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز القتل الجسدي، إلى اغتيال جماعي لضمير الإنسانية. فالصمت العالمي، بما فيه منظمات حقوق الإنسان، والمؤسسات الأممية، والدول الكبرى، لم يعد مبررًا أو قابلًا للفهم. خطب رنانة، كلمات قلق، وبيانات مكرّرة، بينما يتكدّس الجوعى عند أبواب الموت، ولا يجدون من ينقذهم.
يصف هشام يونس هذه الحالة بأنها أشبه بجريمة حضارية، تقترفها "العالمية" و"الحرية" و"الديمقراطية" حين تتواطأ بالصمت، ويبرز أن أنات الأطفال الجوعى في غزة لم تعد توقظ حتى أضعف صوت في المجتمع الدولي. ولم تعد تستفز مشاعر المؤمنين بأي دين، أو المدافعين عن الإنسان، بل أصبحت مجرد أصوات هامشية لا تتجاوز صداها بعض التغريدات.
دور الإعلام والتكنولوجيا في كشف العار
وفي ظل هذا العجز الإنساني، يشير الكاتب إلى أن تكنولوجيا الاتصال – التي قدّمت صورة حيّة للحرب عبر الشاشات ومواقع التواصل – زادت من فظاعة المشهد، لكنها في ذات الوقت عرّت العالم وكشفت تخاذله. لم تعد المأساة معزولة داخل حصار كما كان في الماضي، بل تُنقل لحظة بلحظة، وتُعرض على الملايين حول العالم. ومع ذلك، لم تنجح هذه الشفافية في تحريك الضمير العالمي، أو الضغط السياسي لوقف المجاعة، وكأن تكرار البث جعل من الجوع مشهدًا مألوفًا لا يستحق التوقف عنده.
ويعبّر الكاتب عن خيبة الأمل من رد الفعل الدولي، موضحًا أن الانكشاف الرقمي لم يدفع لنجدة غزة، بل ساهم – للأسف – في تطبيع الكارثة. فأمام هذا الكمّ من الصور والصرخات، بات كثيرون في العالم يعتادون على مشهد الأطفال المتضورين جوعًا، ويستهلكون مآسيهم كما تُستهلك الأخبار العابرة.
التجويع عبر التاريخ: غزة في مرآة ليننغراد وسراييفو
وفي مقارنة تاريخية لافتة، يستحضر المقال حصارين شهيرين تركا بصمات في الذاكرة الإنسانية: حصار ليننغراد وحصار سراييفو. في ليننغراد، التي تُعرف اليوم بسان بطرسبرغ، حاصرت جيوش ألمانيا النازية المدينة لأكثر من 900 يوم (1941–1944)، ما أدى إلى موت ما بين مليون و1.5 مليون إنسان جوعًا. اضطر الناس لأكل الحيوانات الأليفة ثم حيوانات الحديقة، بل وظهرت تقارير عن انتشار آكلي لحوم البشر. ورغم هذا الحصار الرهيب، تمكّن الجيش الروسي من فتح ممر جزئي عبر بحيرة لادوجا. أما في غزة، فليس هناك ممر، ولا جيش صديق، ولا بحيرة، ولا حتى نية دولية لفك الحصار.
وفي مثال آخر، يستعرض الكاتب حصار سراييفو (1992–1996)، الذي استُخدم كسلاح تطهير عرقي ضد مسلمي البوسنة. آنذاك، تدخل حلف الناتو، وتدفقت المساعدات عبر أكبر جسر جوي للأمم المتحدة. وحتى بعد سنوات، حُوكِم قادة الصرب أمام المحكمة الدولية في لاهاي. أما في غزة، فكل جرائم الاحتلال توثَّق بالصوت والصورة، ومع ذلك، فإن المسؤولين الإسرائيليين يتمتعون بحصانة غربية وأمريكية تُبعدهم عن أي محاسبة.
الصحفيون يتضورون جوعًا
من النقاط المؤلمة في المقال هو تسليط الضوء على حال الصحفيين داخل غزة، الذين أصبحوا هم أنفسهم جزءًا من الضحية، لا مجرد شهود على المأساة. فقد أصدرت وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) بيانًا نادرًا وصادمًا، قالت فيه إنها تخشى لأول مرة منذ تأسيسها عام 1944 أن يموت مراسلوها جوعًا.
ويذكر الكاتب شهادة مراسل الجزيرة في غزة، أنس الشريف، الذي قال: "أنا أترنح من الجوع، أرتجف من الإرهاق، أقاوم الإغماء"، مضيفًا: "نقف أمام الكاميرا نحاول أن نبدو صامدين، لكن الحقيقة أننا ننهار من الداخل. غزة تموت، ونحن نموت معها".
هكذا، تحول الإعلاميون الذين لطالما نقلوا مشاهد المعاناة إلى جزء منها، يُطاردهم الجوع والضعف الجسدي، في محاولة إسرائيلية لخنق الحقيقة وإسكات الصوت الفلسطيني.
حتى عمال الإغاثة يستغيثون
ويمضي الكاتب ليكشف أن المجاعة في غزة طالت حتى الأطقم الطبية والإنسانية. فقد أشار فيليب لازاريني، المفوض العام للأونروا، إلى أن الموظفين والأطباء وعمال الإغاثة يُصابون بالإغماء بسبب الجوع والإنهاك، مؤكدًا أن غزة تحوّلت إلى "جحيم على الأرض". إن هذه التصريحات، القادمة من رأس وكالة أممية، تكشف عمق المأساة التي تتجاوز أي وصف.
الاعتياد على الجريمة
ويحذر الكاتب في ختام مقاله من خطورة "الاعتياد" على الجريمة، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب العالم. إن مشهد الأطفال يتقاتلون على كيس دقيق لم يعد يستفز أحدًا، والطوابير الطويلة على صنابير المياه تحوّلت إلى مادة بصرية مألوفة، بينما تستمر الجريمة وتتمدد.
ويستعير هشام يونس من الشاعر أمل دنقل أبياتًا معبّرة من قصيدة "كلمات سبارتكوس الأخيرة"، قائلاً:
لا تقطع الجذوع كي تنصبها مشانقًا
لا تقطع الجذوع
فربما يأتي الربيع
والعام عام جوع
ويختم بتأمل مرير بأننا جميعًا ربما قطعنا الجذوع، وقطعنا الجسور، وتركنا غزة تموت بينما نكتفي بالمشاهدة