مع الساعات الأولى لسقوط أمطار هذا الصباح، تحوّل كثيرٌ من مخيمات النزوح في قطاع غزة إلى برك واسعة من المياه الملوّثة، بعدما غمرت السيول خيام آلاف العائلات التي لا تملك سوى قطع مهترئة من النايلون والشوادر لتحتمي بها منذ تهجيرها.
لم تصمد الخيام أمام أول اختبار شتوي؛ فالمطر النازل بغزارة اخترق سقوفها الممزقة، وتحوّلت أرضياتها الترابية إلى طينٍ كثيف ابتلع أقدام الأطفال الذين استيقظوا مذعورين على مياه تجتاح فرشهم القليلة، وتبتلع لعبهم وثيابهم.
وفي بعض المخيمات، فاضت خطوط الصرف الصحي المكشوفة بفعل تهالك البنية التحتية، فاختلطت مياه الأمطار بمياه المجاري، لتزيد من معاناة السكان وتحوّل الخيام إلى بيئة خطرة لا تصلح للعيش.
أما المنازل التي دمرتها غارات الاحتلال، وحاول أصحابها ترميمها بجهود ذاتية عبر تغطية الجدران والثقوب بقطع من الشوادر، فقد غرقت هي الأخرى؛ إذ تساقطت المياه من الأسقف، وتدفقت إلى الغرف المتصدّعة، لتذكّر السكان بأن ما هدمته الحرب لا يمكن إصلاحه بسهولة تحت الحصار وغياب مواد البناء.
“مش قادرين نضل فيها دقيقة”، يقول أبو محمود، وهو أب لخمسة أطفال اضطر إلى مغادرة خيمته صباحًا. يضيف وهو يحمل فرشًا مبللًا:
“المطر دخل علينا من كل مكان. حاولنا نرفع الشادر، نربطه، نسند الخيمة بأي شيء… بس ما نفع. صحّينا الأولاد وطلعنا برّا، ومش عارفين وين نروح”.
أما أم أحمد، التي تسكن منزلًا قصفه الاحتلال جزئيًا، فقد حاولت منذ أسابيع تغطيته ببقايا شوادر كانت تملكها بعد نزوحها الأخير، إلا أن الأمطار اخترقت الغطاء الهش.
“صحيت على صوت ميّة بتنزل جوّا البيت… كل شي غرق: الفرش، الملابس… حتى الأكل ما ضل منه إشي”، تقول وهي تحاول تجفيف ما تبقّى من ملابس أطفالها الثلاثة.
وتقول إحدى الأمهات، وهي تحمل رضيعها فوق قطعة قماش جافة:
"لم نعد نعرف أين نذهب… الخيمة غرقت، والبيت قُصف، والمطر لا يرحم. أطفالنا في الشوارع منذ الفجر".
وتتساءل: "أليس من حقّنا الحصول على خيمة صالحة تقينا المطر والبرد؟ هل كتب علينا التشرد حتى مع وقف إطلاق النار؟"
منذ ساعات الصباح، خرج المواطنون في رحلة شاقة بحثًا عن شوادر جديدة يعيدون بها ترميم خيامهم قبل أن يحل الليل ببرودته، لكنهم اصطدموا بارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق ونُدرتها في الأسواق، بعد منع دخولها إلى قطاع غزة منذ شهور.
اضطر كثيرون لإخلاء خيامهم بعدما تبللت كل أفرشتهم، فانتشر الأطفال في الطرقات الموحلة وقد التصق الطين بملابسهم وأقدامهم الصغيرة.
تسود المخيمات حالة من القلق والترقّب، فالكل يتساءل: كيف سيقضي أطفالهم ليالي الشتاء في خيام لم تعد تصمد أمام أول قطرة مطر؟
في غزة، لا يُخشى الشتاء فقط لبرودته، بل لأنه يكشف عمق الجرح، ويعرّي هشاشة الحياة التي يعيشها النازحون الذين لم ينجحوا بعد في التقاط أنفاسهم من رحى الحرب المستمرة.