لم يكن محمود الدحبور يتخيل أن حياته ستكتب على صفحتين داميتين: الأولى خلف قضبان الاحتلال (الإسرائيلي)، والثانية تحت خيمة مهترئة قصفها العدو ذاته، وكأنه لم يشبع من ظله المقاوم حتى بعد كل هذه السنوات.
وُلد محمود إبراهيم الدحبور في مخيم العين بمدينة نابلس المحتلة، حيث تربّى على صدى الأناشيد الوطنية، وتفتح وعيه على واقع الاحتلال والظلم، كغيره من أبناء المخيم الذين ورثوا الثورة كما ورثوا الفقر.
في 25 أكتوبر/تشرين الأول عام 2006، اقتحمت قوات الاحتلال (الإسرائيلي) مدينة نابلس واعتقلت محمود بتهمة الانتماء لفصائل المقاومة، ليبدأ مشواره الطويل مع الأسر خلف جدران السجن. حكمت عليه محاكم الاحتلال بـ 25 عامًا، لكن قلبه ظل نابضًا بالحلم: أن يعود حرًّا، ولو بعد حين.
في السجن، لم يركن محمود إلى اليأس، بل أمضى وقته في الدراسة والتعليم، وتمكّن من إكمال الثانوية العامة، وشارك زملاءه الأسرى في بناء وعيهم وتثبيت صمودهم.
وبعد عشر سنوات من الاعتقال، أفرج عنه في إطار صفقة وفاء الأحرار (صفقة شاليط) عام 2011، لكن حريته جاءت مشروطة بالرحيل القسري: الإبعاد إلى غزة، فحُرم من عناق أمه، ومن السير في أزقة المخيم الذي ترعرع فيه، ومن دفء بيته في نابلس.
استقر محمود في قطاع غزة، وعاش بين أقاربه، وتزوّج ورُزق بثلاث بنات، واختار أن يبتعد عن المشهد السياسي والمقاوم، مكتفيًا بحياة بسيطة فيها القليل من الاستقرار، وكثير من الشوق للضفة المحتلة، لكنه لم يكن يعلم أن الاحتلال لا ينسى من قال له "لا".
في 8 يوليو 2025، وبينما كان في خيمة نزوحه بمنطقة الزوايدة وسط القطاع، استهدفته طائرات الاحتلال بقصف مباشر، لتنتشل روحه من بين بناته، وليضاف اسمه إلى قائمة الشهداء.
استُشهد محمود بعد 14 عامًا من الإفراج عنه، لكنه بقي أسيرًا: أسير البُعد، وأسير الخطر، وأسير الغصة.
في نابلس، تلقت عائلته الخبر بالدموع والذهول. كانوا يحلمون بلحظة عودته يومًا، ولو زائرًا... لكنه عاد شهيدًا، بلا جسد أو كفن، بل صورة معلّقة على الجدران، وقصة تُروى للأحفاد.
بدورها نعت حركة (حماس) الدحبور إلى جانب خمسة أسرى محررين آخرين استُهدفوا في نفس الفترة، واعتبرت ذلك "سياسة تشفٍّ صهيونية"، هدفها الانتقام من كل من حمل يومًا راية المقاومة، حتى بعد تركه لها.
وأكد الباحث في شؤون الأسرى عبد الناصر فروانة أن الاحتلال (الإسرائيلي) اغتال 31 أسيرًا محررًا ممن تم إبعادهم من الضفة إلى غزة، في واحدة من أبشع سياسات الاغتيال الممنهج ضد من تمردوا عليه في زمنٍ ما.
محمود الدحبور، الأسير الذي خرج من الزنزانة لكنه لم يخرج من دائرة الاستهداف، عاد إلى ربه شهيدًا، تاركًا خلفه زوجةً مكلومة، وثلاث بنات بلا أب، وقصة لا تنتهي... عن وفاءٍ لا يشيخ، وعدوٍّ لا يشبع من الدم.