في الوقت الذي يعيش فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، تواصل (إسرائيل) تقديم رواية مضللة للعالم مفادها أن الأوضاع الإنسانية تحت السيطرة، مستندة إلى دخول محدود للمساعدات عبر معابرها العسكرية أو من خلال عمليات إنزال جوي شكلية، في محاولة للتغطية على المجاعة المتفشية في القطاع المحاصر.
ورغم المشاهد اليومية لأطفال يتضورون جوعا، ومرضى يموتون أمام أبواب المستشفيات، إلا أن آلة الدعاية (الإسرائيلية) تصر على إنكار الواقع، مستغلة بعض الصور لمساعدات محدودة كدليل مزعوم على التزامها بالمعايير الإنسانية.
ومنذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يعيش سكان غزة تحت قصف عنيف ودمار شامل وحصار خانق، أدى إلى شلل شبه كامل في القطاعات كافة، وعلى رأسها الصحة والغذاء والمياه.
ومع حلول الثاني من مارس/آذار الماضي، أغلقت إسرائيل جميع المعابر المؤدية إلى القطاع بشكل كامل، متجاهلة الاتفاق الموقع في يناير والذي نص صراحة على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا. هذا الانقلاب على الاتفاق لم يكن مجرد إجراء أمني، بل خطوة متعمدة لإحكام السيطرة على الشريان الإنساني الأخير للقطاع.
أزمة إنسانية تتفاقم
وفي ظل هذا الحصار، برزت مؤسسة تُعرف باسم "مؤسسة غزة الإنسانية"، مدعومة من الولايات المتحدة و (إسرائيل)، لتتولى توزيع المساعدات داخل القطاع، إلا أن هذه المؤسسة تحوّلت في نظر الفلسطينيين إلى "واجهة للموت"، حيث وثقت منظمات حقوقية استشهاد أكثر من 800 مدني فلسطيني، بينهم نساء وأطفال، أثناء محاولتهم الوصول إلى مواقع توزيع تلك المساعدات، إضافة إلى مئات المصابين.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فإن القوات (الإسرائيلية) ومتعاقدين محليين مع المؤسسة ارتكبوا الغالبية العظمى من هذه الجرائم، في وقت كان يفترض فيه أن تكون نقاط التوزيع ملاذا آمنا للمحتاجين.
في حين، أعلنت وزارة الصحة بغزة أن عدد الشهداء الذين قضوا جراء الجوع ونقص الغذاء والدواء بلغ 162 شهيدًا، من بينهم 92 طفلًا، محذرة من أن الأزمة الإنسانية تتفاقم بشكل متسارع، في ظل استمرار الحصار، وانهيار النظام الصحي، وعجز المؤسسات الطبية عن الاستجابة للواقع المأساوي.
كما ناشدت الوزارة المجتمع الدولي ومؤسسات الإغاثة الدولية بضرورة التحرك العاجل لإنقاذ أرواح المدنيين، وتوفير ممرات آمنة لإدخال الإمدادات الإنسانية.
تحذير من السيناريو الأسوأ!
من جهته، حذّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي التابع للأمم المتحدة من أن "السيناريو الأسوأ" يتحقق حاليًا في غزة، موضحًا أن شح الغذاء وصل إلى حد المجاعة الفعلية في معظم مناطق القطاع.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأطراف عن عمليات إنزال جوي للمساعدات، أكد التقرير الأممي أن هذه العمليات غير كافية إطلاقًا ولا تؤدي إلى وقف الانهيار الإنساني.
صندوق الأمم المتحدة للسكان أصدر بدوره بيانا عاجلا أكد فيه أن أكثر من 500 ألف إنسان في غزة يواجهون خطر الموت جوعًا، وسط ظروف معيشية بالغة القسوة، ونقص حاد في المياه والغذاء والخدمات الصحية الأساسية.
ولفت البيان إلى أن النساء الحوامل والأطفال والرضّع هم الفئات الأكثر عرضة للخطر، في ظل انعدام تام لمقومات البقاء.
كما شدد على ضرورة تحرك دولي فوري وفعّال يضمن إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
من جانبه، قال نائب المديرة التنفيذية لليونيسف تيد شيبان، عقب زيارة لغزة والضفة الغربية وإسرائيل، إن المعاناة في غزة تفوق كل التصورات، مشددًا على أن الأطفال لا يجب أن يُقتلوا وهم ينتظرون في طابور للحصول على الغذاء أو الماء.
وأوضح أن الوضع الإنساني يتطلب "غمر القطاع بالمساعدات" عبر جميع القنوات، وبشكل غير مشروط.
في حين، اعتبرت منظمة الأونروا أن المجاعة في غزة "من صنع الإنسان بالكامل"، مؤكدة أن الحصار والتجويع سياسة ممنهجة وليست نتيجة حرب فقط.
ودعت الأمم المتحدة إلى تمكين مؤسساتها وعلى رأسها الأونروا، من الوصول الحر والآمن إلى المدنيين المتضررين، بمن فيهم مليون طفل جائع في غزة، مشددة على أن منع المساعدات من الوصول يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية.
وفي مقابل هذا السيل من التحذيرات الأممية والحقوقية، تواصل إسرائيل تقديم صورة إعلامية زائفة توحي بأن الوضع تحت السيطرة، متجاهلة حجم الكارثة والمعاناة التي يعيشها أكثر من مليونَي إنسان داخل قطاع غزة.