شهدت الساحة الأوروبية موجة غير مسبوقة من الانتقادات الرسمية تجاه (إسرائيل)، على خلفية إقرار "الكابينيت" الإسرائيلي، خطة عسكرية واسعة تهدف إلى السيطرة الكاملة على مدينة غزة، وإخلاء سكانها، في خطوة وُصفتها جهات دولية بأنها تمهيد لضم فعلي ومخالف للقانون الدولي.
وفي خطوة مفاجئة، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس عن تعليق تصدير الأسلحة الهجومية لـ(إسرائيل)، بما في ذلك قطع غيار استراتيجية تُستخدم في دبابات "ميركافا" وناقلات الجند من نوع "نامير"، وهي من إنتاج شركة MTU الألمانية، وتُعد من الركائز الحيوية لآليات جيش الاحتلال.
وقالت صحيفة هآرتس العبرية إن هذا القرار سيترك أثرًا مباشرًا على القدرات التشغيلية للجيش، لا سيما في ضوء الاعتماد الكبير على الصيانة الأوروبية خلال فترة الحرب.
في السياق ذاته، تساءل السفير الألماني لدى (إسرائيل) في تصريحات لافتة: "كيف سيساهم توسيع العمليات العسكرية في غزة في تحقيق الأهداف التي تتحدث عنها الحكومة الإسرائيلية؟ كوقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وإطلاق سراح الرهائن، وضمان عدم وجود دور مستقبلي لحماس؟".
هذا الموقف الألماني، الذي يُعدّ الأشد منذ عقود، يشير إلى تحول جوهري في السياسة الأوروبية تجاه الاحتلال، ويكسر الخطاب التقليدي الذي طالما اتسم بدعم غير مشروط لـ(إسرائيل) باسم "حق الدفاع عن النفس".
لندن: قرار خاطئ ونداء لإعادة النظر
رئيس الوزراء البريطاني أدان بدوره بشدة القرار الإسرائيلي، واعتبره "خاطئًا"، قائلاً: "نحث حكومة (إسرائيل) على إعادة النظر فورًا في قرارها بتوسيع الهجوم على غزة.. الوضع الإنساني يزداد كارثية يومًا بعد يوم، والرهائن ما زالوا يُحتجزون في ظروف مأساوية. نحن بحاجة إلى وقف إطلاق نار فوري".
يأتي هذا التصريح في وقت تتعرض فيه الحكومة البريطانية لضغط داخلي متصاعد من منظمات حقوقية وبرلمانيين يطالبون بمواقف أكثر حزمًا تجاه ما يُوصف بـ"جرائم الحرب" في غزة.
المواقف الاسكندنافية: هولندا والسويد والدنمارك ترفع الصوت
من ناحيتها، دعت وزيرة خارجية السويد إلى وقف فوري لإطلاق النار، مؤكدة أن "أي محاولة لضم غزة تعتبر مخالفة صارخة للقانون الدولي"، محذرة من أن الصمت الدولي سيُفهم كضوء أخضر للمضي قدمًا في هذا المخطط.
أما وزير خارجية الدنمارك، فقد طالب (إسرائيل) بالتراجع "فورًا" عن خططها العسكرية في غزة، داعيًا إلى تحرك أوروبي موحّد لمنع المزيد من التصعيد.
وفي موقف لافت، أكدت الحكومة الهولندية أن: "غزة ملك للفلسطينيين، ويجب وقف الحرب فورًا وزيادة المساعدات الإنسانية، بالتوازي مع إطلاق سراح الرهائن، والتوجه نحو حل تفاوضي شامل".
بلجيكا تستدعي السفيرة الإسرائيلية
وأعلنت وكالة الأنباء الفرنسية أن الحكومة البلجيكية استدعت السفيرة الإسرائيلية في بروكسل، للاحتجاج رسميًا على قرار "الكابينيت" الإسرائيلي.
وأوضح بيان الخارجية البلجيكية أن خطة السيطرة على مدينة غزة "تشكّل خرقًا للقانون الدولي وتهديدًا للاستقرار الإقليمي".
ورغم استعراض رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي المجرم بنيامين نتنياهو صلابة في مواجهة المواقف الأوروبية، فإن التقديرات داخل الدوائر السياسية والعسكرية الإسرائيلية تشير إلى أن تزايد الضغط الأوروبي قد يترك أثرًا بالغًا على مسارات الحرب وعلى مستقبل نتنياهو السياسي.
وبحسب محللين، فإن تعليق الدعم العسكري من برلين، وهي ثاني أكبر مصدر للأسلحة إلى (إسرائيل) بعد الولايات المتحدة، يُعد ضربة استراتيجية كبيرة قد تُعجّل بانقسامات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وتزيد من التوتر داخل التحالف الحكومي المتصدع أصلاً.
قراءة في أبعاد التحوّل الأوروبي
هذا التغيّر الأوروبي ليس وليد لحظة، بل يعكس تراكماً من الاستياء والغضب من السياسات الإسرائيلية تجاه المدنيين في غزة، خاصة مع تصاعد التقارير عن جرائم الإبادة الجماعية، وسياسات التجويع، واستهداف البنى التحتية المدنية.
ويبدو أن المجتمع الدولي بدأ يخرج من عباءة "الازدواجية الأخلاقية"، مدفوعًا بغضب الشارع الأوروبي، وضغوط منظمات حقوق الإنسان، ومشاهد المجاعة والدمار التي باتت تتصدّر نشرات الأخبار العالمية بشكل يومي.
ورغم تعنّت القيادة الإسرائيلية الظاهري، إلا أن اتساع جبهة المعارضة الدولية، لا سيما من أقرب الحلفاء الأوروبيين، يُنذر بتغير قواعد اللعبة، وقد يكون هذا بداية مرحلة جديدة من العزلة الدبلوماسية، وربما فرض شروط دولية ملزمة لوقف الحرب، خاصة إذا ما تزايدت الأصوات الداخلية في أوروبا للمطالبة بفرض عقوبات، أو تعليق اتفاقيات التعاون مع (إسرائيل).
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، فإن تداعيات هذه التحولات ستظهر في صناديق الاقتراع، وفي مستقبل نتنياهو السياسي، الذي يبدو أن ثمن حربه على غزة سيُدفع محليًا وعالميًا.