تحت خيمة مهترئة تقي بالكاد من حرّ أغسطس، يجلس الشاب الفلسطيني إبراهيم سعيد (33 عامًا) يتأمل ساقه المبتورة، فيما يسند جسده على طرف صناعي صنعه بنفسه من ماسورة صرف صحي وقطع ألمنيوم، ليتحدى واقع الحصار والحرمان في قطاع غزة ويقف مجددًا بحثًا عن لقمة العيش لعائلته.
بدأت مأساة إبراهيم في 27 مايو/أيار الماضي، حين خرج إلى منطقة العلم جنوبي القطاع، على أمل الحصول على مساعدات غذائية أمريكية.
لكن رصاصة متفجرة من جنود الاحتلال مزقت ساقه، لترسم فصلًا جديدًا من المعاناة. “ذهبت فقط لأجل أطفالي.. كنت أبحث عن أي شيء يملأ بطونهم الخاوية”، يقول إبراهيم بصوت متحشرج.
ظل ينزف لأكثر من ساعة ونصف قبل أن ينقله المسعفون إلى مستشفى الصليب الأحمر. هناك، وعلى مدى شهر ونصف، واجه نقصًا فادحًا في الأدوية والرعاية، ما أدى إلى تفاقم الالتهابات وفقدان الساق.
وعند عودته إلى خيمته، وجد أسرته غارقة في أزمة لا تقل قسوة عن إصابته: أطفاله يجرّون عبوات المياه لمسافات طويلة، وزوجته تصطف لساعات في طوابير الطعام.
إبراهيم، الذي يرفض الاستسلام، قرر أن يصنع بيديه ما حُرم منه في المستشفى. جمع ماسورة صرف صحي، وقطعتين من الألمنيوم من نافذة قديمة، ومسامير لتثبيت الأجزاء، فخرج بطرف بدائي لا يوفّر الأمان ولا الراحة، لكنه يسمح له بالوقوف والعمل. “هذا الخطر أهون من أن أرى أطفالي جائعين”، يقول بابتسامة ممزوجة بالألم.
قصة إبراهيم ليست استثناءً في غزة، حيث تشير تقديرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الحرب الإسرائيلية خلفت ما بين 5 و6 آلاف مبتور طرف، في ظل حصار يمنع دخول المستلزمات الطبية اللازمة.
ووفق برنامج “صحتي” التابع لوزارة الصحة الفلسطينية، سُجّلت 4,700 حالة بتر موثقة حتى الآن، بينما تحذر الأمم المتحدة من أن القطاع بات يضم أكبر عدد من مبتوري الأطراف في العالم، بلا أفق لعلاج أو إعادة تأهيل.
في عيني إبراهيم، يختلط الحلم بالتصميم. فهو يرى في كل خطوة على ساقه المؤقتة إعلانًا صغيرًا عن أن روح الغزيين عصيّة على الكسر، حتى وإن كانت تسير على أنبوب صرف صحي.