على مدى ما يقارب العامين من حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، ظل اسم الصحفي الفلسطيني أنس جمال الشريف حاضرًا في نشرات الأخبار العالمية، ليس فقط بصفته مراسلًا ميدانيًا لقناة الجزيرة، بل باعتباره أحد الأصوات النادرة التي كسرت الحصار الإعلامي المفروض على القطاع، ووثقت للعالم صور التجويع والمجازر التي لم تتوقف.
لكن مساء الأحد، صمت هذا الصوت إلى الأبد بعد أن استهدفه الجيش الإسرائيلي مع زميله محمد قريقع في قصف مباشر لخيمة الصحفيين قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ما أسفر أيضًا عن استشهاد مصوري الجزيرة إبراهيم ضاهر ومحمد نوفل، والصحفي مؤمن عليوة.
استهداف معلن وتحريض منهجي
في خطوة نادرة، أقر الجيش الإسرائيلي باستهداف أنس الشريف بعد الغارة، واصفًا إياه بأنه "إرهابي تنكر بزي صحفي"، مدعيًا أنه قائد خلية في حركة حماس، وهي اتهامات واجهها الشريف طوال الأشهر الأخيرة ونفاها مرارًا، مؤكدًا أنه "صحفي بلا انتماءات سياسية، مهمتي الوحيدة نقل الحقيقة كما هي من أرض الواقع".
التحريض عليه لم يكن وليد اللحظة؛ فقد تعرّض الشريف في الأشهر الماضية لحملات إعلامية إسرائيلية اتهمته بتضليل الرأي العام، وهو ما أثار تحذيرات المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير إيرين خان، التي وصفت هذه الاتهامات بأنها "باطلة" ودعت المجتمع الدولي إلى منع استهداف الصحفيين باعتبار قتلهم "إستراتيجية لقمع الحقيقة".
من أزقة المخيم إلى واجهة الأخبار العالمية
وُلد أنس الشريف في 3 ديسمبر/كانون الأول 1996 في مخيم جباليا شمالي غزة، وسط بيئة لا تنفصل عن الصراع والحروب المتكررة. تلقى تعليمه في مدارس وكالة أونروا ووزارة التربية والتعليم الفلسطينية، ثم التحق بجامعة الأقصى لدراسة الإذاعة والتلفزيون وتخرج عام 2018.
بدأ مشواره الإعلامي متطوعًا في "شبكة الشمال الإعلامية"، قبل أن يصبح أحد الوجوه البارزة على شاشة الجزيرة.
عمل تحت النار
من شمال القطاع إلى مدينة غزة، ظل الشريف ميدانيًا في مناطق القصف، موثقًا آثار الدمار والمجاعة. في تقاريره، عرض مشاهد لأطفال يصرخون جوعًا، وأمهات يبحثن عن الطعام وسط الأنقاض، ومدارس تحولت إلى ملاجئ مكتظة في برد الشتاء.
كسر الحصار الإعلامي بوسائل بدائية، حيث كان يتسلق أسطح المنازل والمستشفيات بحثًا عن إشارة إنترنت لبث تقاريره، مؤكدًا أن "الأصعب من القصف أن ترى طفلًا ينام باكيًا لأنه لم يجد وجبة طوال اليوم".
تكريم دولي واستهداف شخصي
إصراره على التغطية في أصعب الظروف دفع منظمة العفو الدولية في أستراليا العام الماضي إلى منحه جائزة المدافع عن حقوق الإنسان تقديرًا لشجاعته.
لكن مع تزايد تأثير تقاريره على الرأي العام، أدرجه الاحتلال ضمن أهدافه الإعلامية. في ديسمبر/كانون الأول 2023، قصف الطيران الإسرائيلي منزل عائلته في جباليا، ما أدى إلى استشهاد والده. ورغم ذلك، واصل عمله، محذرًا عبر منصات التواصل من حملة "تهديد وتحريض" يقودها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ضده شخصيًا.
الظهور الأخير
ظهر أنس الشريف للمرة الأخيرة ظهر الأحد في نشرة الجزيرة، ناقلًا ارتفاع وفيات الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية، قبل أن يتحول بعد ساعات قليلة إلى خبر عاجل في النشرات نفسها، شهيدًا إلى جانب زملائه، ومثالًا صارخًا على المخاطر التي يواجهها الصحفيون في غزة، والتي وصفتها "مراسلون بلا حدود" بأنها "الأعلى في العالم".
برحيله، فقدت غزة واحدًا من أكثر شهودها جرأة، وبقيت تقاريره وأرشيفه الميداني شاهدًا على حرب الإبادة التي حاول الاحتلال إخفاء فصولها.