أبو عمر نوفل.. من عدسة الصور إلى شواهد القبور

متابعة_ الرسالة نت

في قلب مخيم جباليا، حيث تتناثر الأزقة الضيقة كخيوط حكاية طويلة، وحيث يعرف الجميع بعضهم كما لو كانوا عائلة واحدة، يقف اسم رياض نوفل، أبو عمر، محفورًا في ذاكرة المكان. لعقودٍ طويلة، كان أحد أقدم المصورين في غزة، ورمزًا من رموز المخيم، يعرفه الكبير قبل الصغير. لا يكاد يوجد بيت في جباليا إلا وتوقف أحد أفراده يومًا أمام عدسة "استوديو رياض" ليوثق مناسبة سعيدة أو صورة رسمية. عدسته كانت شاهدًا على أفراح الناس قبل أن تغرق حياتهم في دوامة الحزن المستمر.

لكن هذه الحرب، التي لا تفرق بين بيت وكاميرا، ولا بين طفل وصحفي، جلدت ظهر أبو عمر بسياط متتالية من الفقد. قُصف بيته في الاجتياح الأول لجباليا، ثم فقد بكره "عمر" في الاجتياح الثالث. لم تمضِ أشهر حتى لحقت بوالدة عمر شظية غادرة استقرت في رأسها، لم تمنحها فرصة حتى لوداعه، فغادرت الدنيا شهيدة.

وكأن الحرب تصر على انتزاع قلبه قطعةً قطعة، فقد جاء أمس ليحمل إليه فجيعة أكبر. نجله الثاني "محمد"، المصور الميداني، كان برفقة زميله وصديقه الصحفي أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، حين استهدفتهم غارة إسرائيلية مباشرة قرب مستشفى الشفاء. في تلك اللحظات، كانا يوثقان مشهدًا من أكثر مشاهد الحرب قسوة، ضمن خيمة للصحفيين تحولت في ثوانٍ إلى كومة من الركام والدماء. الغارة لم تقتل محمد وأنس وحدهما، بل حصدت أرواح خمسة صحفيين آخرين في مجزرة جديدة ضد الكلمة الحرة، وأصابت آخرين بجراح، في جريمة هزت الوسط الإعلامي وأعادت التذكير بأن الصحافة في غزة تُمارَس تحت فوهة الموت.

في المقبرة، شوهد أبو عمر راكعًا على ركبتيه، يخط بيديه شواهد قبور أحبته؛ عمر، ووالدته، ومحمد. يده التي لطالما التقطت الصور، صارت اليوم تنقش على الحجر آخر ما تبقى من أسمائهم. وجهه المنهك يروي حكاية أب لم يعد لديه متسع للفقد، لكنه لا يزال يتمسك بما تبقى من القوة، مستندًا إلى إيمانه العميق بأن الانكسار ليس خيارًا.

كان قد قال يومًا، حين جاءه أحدهم معزيًا بفقد زوجته: "أنا قوي لأجل من بقي في رقابتي، إذا استسلمت أنا، ستفقد أسرتي عضدها وبأسها." واليوم، رغم أن الحرب نزعت منه ثلاثة من أحبته، يقف أبو عمر شاهدًا حيًّا على أن الصبر في غزة ليس ضعفًا، بل هو المقاومة الأخيرة التي لا تُقهر.

وفي حصيلة العدوان الليلة الماضية، استشهد محمد نوفل مع أنس الشريف ومحمد قريقع، مراسلا قناة الجزيرة، إضافةً إلى اثنين من المصورين، في استهداف مباشر لخيمة الصحفيين قرب مستشفى الشفاء بمدينة غزة.

،،،في،،، ان لا XX,,,,

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية