اغتيال الشريف، قريقع ورفاقهما: حين تتحول الكاميرا إلى تهمة مميتة

خاص_ الرسالة نت

في مساء دموي جديد، أقدمت طائرات الاحتلال الإسرائيلي على استهداف خيمة إعلامية قرب مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، لتغتال الصحفيين أنس الشريف ومحمد قريقع، محمد الخالدي، وإبراهيم ظاهر، ومؤمن عليوة، ومحمد نوفل بينما كانوا في مهمة ميدانية لتغطية جرائم القصف وتوثيق معاناة الجرحى والنازحين.

الهجوم، الذي هز الوسط الصحفي الفلسطيني والعربي، جاء بعد ساعات قليلة من تقارير مباشرة قدّمها الشهيدان، حملا فيها للعالم مشاهد من داخل المستشفيات ومناطق القصف، وأصوات الأهالي المحاصرين في كارثة إنسانية غير مسبوقة.

 

رواية مُعلّبة لتبرير الجريمة

لم يكد الغبار ينقشع عن موقع الاستهداف، حتى خرج جيش الاحتلال ببيان يزعم فيه أن أنس الشريف "قيادي ميداني في حركة حماس" كان "يتنكر بزي صحفي"، مدعيًا امتلاك "أدلة" و"وثائق" على ذلك، دون أن ينشر شيئًا منها للرأي العام.

هذه الرواية لم تفاجئ العاملين في المجال الإعلامي، فهي جزء من سياسة (إسرائيلية) ممنهجة لاتهام الصحفيين الفلسطينيين بالانتماء العسكري، بهدف شرعنة استهدافهم أمام العالم، وهو ما تكرر في جرائم سابقة، منها اغتيال إسماعيل الغول والصحفية شيرين أبو عاقلة واستهداف عشرات المراسلين والمصورين في غزة منذ بدء العدوان.

غياب الأدلة المنشورة، والاكتفاء باتهامات مرسلة، يعكس كذب هذه الرواية، خاصة أن أنس كان معروفًا لدى المشاهدين والمتابعين بعمله الإعلامي المكثف لشبكة الجزيرة والذي يتطلب تواجدا دائما على الشاشة، وتوثيقه الميداني المستمر من قلب الأخطار، ما لا يترك أمامه أي مجال لممارسة أي عمل آخر كما يدعي الاحتلال.

 

 الشريف: صوت غزة الذي أزعج الاحتلال

أنس، الذي ذاع صيته من خلال تغطياته المباشرة عبر الجزيرة، لم يكن مجرد ناقل خبر، بل كان شاهدًا حيًا على مأساة غزة. في كل تقرير ميداني، كان يتنقل بين ركام البيوت وأروقة المستشفيات، يوثق القصف، ويروي قصص الضحايا، حتى بات اسمه مقترنًا بوجع الغزيين وصمودهم.

تعرض أنس لتهديدات مباشرة من الاحتلال، وحملات تحريض عبر الإعلام العبري، لكنه واصل عمله متحديًا الخطر، مؤمنًا بأن "الصورة أقوى من الرصاصة إذا وصلت في وقتها".

 

 قريقع: شاهد في قلب النار

أما محمد، المراسل الميداني الذي عمل في ظروف استثنائية، لم يعرف للراحة طريقًا منذ أن بدأ عمله مراسلا للجزيرة كخليفة للشهيد إسماعيل الغول لعلمه بثقل الأمانة والمهمة. كان يخرج من موقع قصف إلى آخر، يوثق لحظة بلحظة، يلاحق الضوء وسط الدخان، ويركض خلف الحقيقة قبل أن تطمرها أنقاض المنازل.

قبل ساعات من استشهاده، ظهر محمد في بث مباشر، يصف الوضع الإنساني في غزة، غير مدرك أن كاميرته ستسجل آخر لحظاته قبل أن تصمت إلى الأبد.

 

جريمة حرب 

منظمات حقوقية وإعلامية دولية، بينها "مراسلون بلا حدود" و"لجنة حماية الصحفيين"، أدانت الجريمة واعتبرتها استهدافًا متعمدًا لصحفيين أثناء عملهم، وهو ما يشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني. وطالبت هذه المنظمات بتحقيق دولي مستقل، ووقف سياسة الإفلات من العقاب التي تحمي الاحتلال من المساءلة.

برحيل أنس ومحمد ورفاقهما، تخسر غزة والعالم صوتين من أنقى الأصوات التي نقلت الحقيقة بلا تزييف. لكن رسالتهما باقية، وصورهما وشهاداتهما ستظل وثائق حية على ما جرى، ودليلاً على أن الكاميرا، حين تحمل الحقيقة، قد تتحول في نظر الاحتلال إلى "خطر" يستحق القتل.

هذه الجريمة ليست فقط استهدافًا لأشخاص، بل محاولة لإسكات الرواية الفلسطينية، وحجب الحقيقة عن العالم، عبر قتل من ينقلها. لكن دماء أنس ومحمد ستبقى حبرًا يكتب التاريخ، وصورهم ستظل أقوى من أي دعاية كاذبة.