غزة تُسقط "سلاح الردع" … المقاومة تنتصر في معركة الإرادة

خاص_ الرسالة نت

على مدى عقود، روّجت (إسرائيل) لنظرية الردع باعتبارها "السلاح الأهم" في عقيدتها الأمنية، مستندة إلى التفوق العسكري الساحق والقدرة على توجيه ضربات مدمّرة تردع خصومها عن التفكير في المواجهة. لكن الحرب المتواصلة على غزة، التي تجاوزت 22 شهرا ، أظهرت بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه النظرية وصلت إلى لحظة الانكسار التاريخي أمام صمود شعب محاصر ومقاومة لا تزال قادرة على المبادرة.

 

انهيار الركيزة الأولى للأمن (الإسرائيلي)

منذ اليوم الأول للعدوان، اعتمدت حكومة الاحتلال على سياسة "الصدمات المدمّرة" أملاً في تحقيق استسلام شعبي وضغط داخلي على المقاومة. غير أن النتيجة جاءت عكسية؛ فالميدان ما زال يشتعل بالكمائن والهجمات، والصواريخ تنطلق رغم الحصار الخانق والدمار الشامل.

هذا المشهد دفع محللين عسكريين (إسرائيليين) للاعتراف بأن ما يجري "لم يعد ردعًا" وإنما "حرب استنزاف" طويلة تُنهك الجيش وتفقده هيبته. صحيفة معاريف نقلت عن مسؤول أمني سابق قوله: "حين يستمر الطرف الآخر في القتال رغم كل ما فعلناه، فهذا يعني أننا فقدنا الردع".

 

تصريحات (إسرائيلية) تكشف المأزق

وزير الحرب (الإسرائيلي)، إسرائيل كاتس، أقرّ في مارس الماضي بأن تل أبيب عادت إلى القتال بعد فشل المفاوضات، مهددًا بـ"فتح بوابات الجحيم" على غزة، وهو تصريح يعكس فقدان أي أفق سياسي واعتماد كامل على القوة العسكرية، رغم ثبوت فشلها.

أما وزير الخارجية جدعون ساعر، فحاول تبرير كسر الهدنة بالقول إن حماس "رفضت الإفراج عن الأسرى"، لكن مراقبين (إسرائيليين) اعتبروا هذا الاعتراف دليلاً على أن الجيش عاجز عن فرض شروطه بالقوة، وأن ورقة الأسرى تحولت إلى نقطة ضعف في استراتيجية الردع.

وفي موقف لافت، أبدى رئيس أركان الجيش إيال زامير معارضة أولية لخطة احتلال مدينة غزة بالكامل، محذرًا من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى قتل الأسرى وإطالة أمد الحرب، قبل أن يرضخ للضغوط السياسية. هذا التردد العسكري، بحسب محللين، مؤشر على إدراك قادة الجيش أن "احتلال غزة" قد يتحول إلى مستنقع يسرّع تآكل الردع بدل ترميمه.

ولفت المتخصص بالشأن (الإسرائيلي) أنس أبو عرقوب إلى أن الأزمة الإستراتيجية (الإسرائيلية) معقدة ومتعددة الأوجه، إذ إن ما يروّجه الجيش من إنجازات ميدانية كبيرة، تتجلى في عيون كل أطراف الخريطة الحزبية (الإسرائيلية) خسائر إستراتيجية جمة، مع تهديدات متعددة الجبهات تضغط على منظومة الأمن، وضغوط داخلية وخارجية تعرقل التوافق بين الأجهزة السياسية والعسكرية.

كما أن هناك اتفاقا على أن الوضع الحالي يؤدي إلى حالة من الجمود، حيث يستمر القتال بلا حسم ويُهمّش الحل السياسي. لكن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الأمنية، من دون تغيير سياسي جذري، ولن تحقق العمليات العسكرية فرقا جوهريا على الأرض، بحسب أبو عرقوب.

في المقابل، يرى المتخصص في الشأن الإسرائيلي خلدون البرغوثي أن "خسائر (إسرائيل) متراكمة وتتصاعد رغم الفعل العسكري لها على الأرض. فمن ناحية استراتيجية يرون أن بقاء حكومة نتنياهو أطول فترة ممكنة مدعومة بإدارة ترامب، قد يعمّق هذه الخسائر ويوصل (إسرائيل) إلى هزيمتها الفعلية".

وأضاف أن إقرار زامير بعدم وجود خيارات عسكرية فعالة في القطاع، وتصاعد صدامه مع المستوى السياسي، يشيران إلى أن الاستمرار عسكريا بما يريده السياسيون رغم معارضة العسكريين يعني تحميل الجيش عبئا ومسؤولية بلا جدوى، عبر التضحية بمزيد من الجنود وربما بالمحتجزين.

يضاف إلى ذلك توريط (إسرائيل) نهائيا في حكم عسكري في القطاع، مع كل التبعات على المستوى الدولي والقضائي والإعلامي في الموقف الدولي تجاه (إسرائيل).

 

فقدان الردع خارجيًا

على المستوى الدولي، لم تعد صورة "الجيش الذي لا يُقهر" تقنع الرأي العام العالمي. مشاهد المجازر واستهداف المدنيين والصحفيين أضعفت قدرة (إسرائيل) على تسويق حربها كحرب "دفاعية"، وتسببت في تصاعد الانتقادات من داخل معسكر حلفائها، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا.

مراكز بحثية غربية، مثل RAND وINSS، أشارت مؤخرًا إلى أن "الردع (الإسرائيلي) أصبح غير مكتمل" وأن استمراره مشروط بقبول المقاومة بقواعد اللعبة، وهو ما لم يتحقق، بل إن جبهات أخرى –من لبنان إلى اليمن– رفعت مستوى التحدي مستفيدة من تجربة غزة.

 

المقاومة تكسر المعادلة

في المقابل، حافظت المقاومة الفلسطينية على قدرتها العملياتية رغم الكلفة البشرية والمادية الهائلة. كمائن واستهداف قوات الاحتلال في محيط غزة، والقدرة على إطلاق رشقات صاروخية، كلها رسائل بأن "الردع" لم ينجح في فرض معادلة الصمت أو الاستسلام.

كما أن صمود الجبهة الداخلية الغزّية –رغم الجوع والحصار– شكل مفاجأة للدوائر الأمنية (الإسرائيلية)، التي كانت تراهن على انهيار الروح المعنوية كمقدمة لتفكيك حاضنة المقاومة.

الحرب على غزة لم تُسقط فقط آلاف الشهداء، بل أسقطت ركيزة أمنية مركزية في العقيدة (الإسرائيلية). ومع كل يوم يمر دون حسم عسكري، يتآكل ما تبقى من نظرية الردع، ويتحول الجيش من "قوة ردع إقليمي" إلى جيش عالق في مستنقع مقاومة لا تنكسر.

إن ما يجري اليوم هو معركة إرادة بامتياز، فيها تُظهر غزة أن الردع الحقيقي لا يُقاس بحجم القنابل، بل بصلابة الموقف والإيمان بالحق… وهو ما جعل الكيان، لأول مرة منذ قيامه، يواجه احتمال السقوط الاستراتيجي من الداخل قبل أن يُهزم من الخارج.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير